التراث السردي العربي
"دعوة الأطباء"، لابن بطلان نموذجاً
*عزت عمر
1 تقديم
الآراء الحاسمة التي يتمسك بها بعض النقاد العرب حول ريادة أوربا للفن الروائي، هي في الحقيقة تستند
إلى قوّة المرجعية الأوربية، التي نصّت على أن الرواية كجنس أدبي قد ولدت في خضم الصراع بين
البرجوازية والإقطاع، بدءاً من \"دون كيخوته\" لسرفانتس، ومروراً بالروايات الرومانسية التي تطلّعت إلى
مواجهة العالم الجديد، كما عند فلوبير و جوته وانتهاء بالرواية الروسية في القرن التاسع عشر، ومن ثم الرواية
الحديثة التي عبّرت عن عالمنا الراهن.
ولا ينفي هؤلاء أن الرواية عرفت أشكالاً تجريبية أولى؛ تتمحور حول الحياة مع الاختلاف في أشكالها، ولكن هذا
النوع من الروايات برأي ليوكاتش، لا يعتبر أساساً لها، لأن الرواية بحسب تعريفه إنما هي \"شكل من أشكال
التشظي وعواقب الاستلاب داخل المجتمع البرجوازي\"، ولكن باختين في بحثه عن الرواية الأوربية اكتشف
أن لها جذوراً في الثقافة الشعبية، من خلال بعض النصوص الإغريقية والرومانية القديمة، وكذلك في روايات
العصور الوسطى، معتمداً في منهجه على اللغة التي رافقت في تطوّرها تطوّر الوعي الإنساني، وفي كتابه
\"الخطاب الروائي\" سيورد سبعة عشر نمطاً روائياً عمل على تحليلها لتأصيل هذا الفن السردي.
"سيح المهب" لناصر جبران
أوّل رواية إماراتية تعالج خطورة التحوّلات في مدينة ما بعد الحداثة.
*عزت عمر
ما انفكت التحوّلات المتسارعة داخل المدينة الإماراتية، تشغل بال الأديب ناصر جبران، بالرغم من أن هذه
المدينة ذهبت شوطاً بعيداً في الحداثة وما بعدها، وبالرغم من أن بعضها بات يعتبر نموذجاً متقدّماً للعولمة، من
حيث تزاحم الثقافات وتجاورها في مكان واحد يمتاز بجملة من المزايا، كتوفّر فرص العمل، الدخل المرتفع،
الاستهلاك الواسع، وتوفّر الكثير من وسائل اللهو والمتعة، الأمر الذي يجعل هذه المدينة مركزاً جاذباً
للشباب والخريجين الجدد المسلحين باللغة الإنجليزية وتكنولوجيا المعلومات من مختلف أصقاع العالم.
ناصر جبران في ما يبدو لنا في نصّه الروائيّ الأول، ينحاز إلى الصفّ المقابل لنظام العولمة، أو الصفّ
المضاد إن صحّت التسمية، سيما وأنه متجذّر في المكان، وعايش ثلاثة أزمنة تمايزت عن بعضها: مرحلة
ما قبل النفط، حيث الحياة البسيطة واللحمة الاجتماعية وحضور القيم الرفيعة كالمحبة والتضامن والإخاء وغيرها.
ثمّ مرحلة اكتشاف النفط وتشكّل الدولة والدخول في زمن الحداثة، وقد عالجت كثير من قصصه السابقة
ومقالاته الصحافية هذه المرحلة عبر تبيان التناقض ما بين الزمنين، وبدايات التفكك الأسري وأثر الحداثة
على بنيان الأسرة والمجتمع المعروفين بتلاحمهما. ثمّ أخيراً مرحلة ما بعد الحداثة التي دخلتها بعض المدن
سريعاً فجاءت هذه الرواية لتتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً منها، بدءاً من العنوان اللافت "سيح المهبّ" الناضح
بدلالته الرمزية والمعبّر عن موقف الكاتب الناقد لما يجري من تطور في البلاد على حساب الإنسان بعامة
والكاتب والفنان على نحو خاص.
أدب الأطفال وثقافتهم
*عزت عمر
الدكتور سمر روحي الفيصل، أكاديمي وناقد سوري مقيم في الإمارات، له مؤلّفات وأبحاث كثيرة زادت عن 32 عملاً توزّعت ما بين كتب ودراسات لأدب الأطفال وأخرى في النقد الأدبي منها: السجن السياسي في الرواية العربية، ملامح في الرواية السورية، تجربة الرواية السورية، الاتجاه الواقعي في الرواية السورية، نهوض الرواية العربية الليبية، الرواية العربية- البناء والرؤيا، قضايا السرد في الرواية الإماراتية وغيرها..
يؤكّد الدكتور سمر روحي الفيصل في مستهل كتابه "أدب الأطفال وثقافتهم" أنّ هذا الأدب قد ترسّخ كأدب في المشهد الثقافي في مطالع التسعينيات، حيث بات بإمكان الباحثين والنقاد خلالها العثور على رصيد مقبول من النصوص الأدبية ذات المستوى الفني الجيّد، وهو أمر يدعو للتفاؤل بمستقبل أدب الأطفال، وفي ما ينتجه من قيم اجتماعية ووطنية وقومية، نظراً لأن الأدباء العرب يعون أهمية هذه القيم في حياة الطفل، وخصوصاً قدرتها على توجيه نشاطه وتحديد سلوكه وتكامل شخصيته.
جدارية محمود درويش
تأريخ لهزائم الموت أمام المعرفة
لا أعرف لماذا لم يخطر لي أن الموت سيهزم جسد محمود درويش المضنّى ذات يوم، وربّما لأنني رأيت فيه
قلعة شعرية تصمد أمام الموت آلاف السنين، وربّما لأنني رأيته على الدوام كائناً أخضر، إذا ما عصف به
الشتاء استعاد خضرته ربيعاً فعاد إلى عطوره ونرجسه، عاد إلى شامه وحماماته البيضاء وتدفقه النهريّ،
أشبه بطائر الفينيق الأسطوري الذي يعود إلى الحياة كلّما لامست النار جناحيه..
الآن مات محمود، بل مات جسد محمود، بينما هو ظلّ باقياً بيننا بأشعاره المتحدية أبداً سير الموت
وفجائعه، وبمجازها الذي أضاف إلى تاريخ الإنسانية إضافة حقيقية فاعلة ومثمرة، وبعطورها مالئة
الأمكنة عبقاً مختلفاً، كروماً يعتصرها الصيف ليشرب نبيذها قراؤه ومحبّوه، وكنت أنا واحداً من ملايينه
الذين شربوا نبيذه وأكلوا خبزه، ثمّ سافروا مع فراشاته إلى بلاد الزيتون، وسائر مدن العالم حاملين
غبار الطلع الذي سيزهر كلّ يوم.
وداعاً محمود درويش
هنا قراءتان ل "الجدارية" و "في حضرة الغياب".
*عزت عمر
1
تماماً كما في القصّة المفجوعة بحدث جلل يترتب عليه الكثير من المشاهد والمواقف، سيبدأ محمود درويش بناء
نصّه الملحميّ.. في مئة وخمس صفحات سيبث شعراً يمتلئ حكمة وتأملا في الذات والمحيط.. يكتب
عصارة الدفقة الشعرية في رثاء طويل لماض وجسد، لفكرة وروح..
أتصوّره الآن في محنته العصيبة تلك، وهو معلّق في فاصل لا زمني ولا مكاني، فاصل يشبه الهوّة الواسعة،
ولا شيء من حوله سوى الضياء المنتشر، وبضعة وجوه أثيرية لأحبة رحلوا تبزغ من هذا الضياء، فتبتسم
له وكأنها تناديه..
"هذا هو اسمك" سؤال بسيط يسأل عادة في المستشفيات، ولكنه يفضي بدلالة أخرى لملاك الموت
الذي يريد إنهاء مهمّته، والتأكد من مطلوبه، ولكنه كان كافياً تماماً لكي يفتح الشاعر باب الكلمات، فيقوده
البياض في رحلة العمر المضنّى بالحلم والتعب.. فلا يمضي نحو الوجوه الشاحبة المبتسمة، ولا يسافر
وحيداً مغلوباً على أمره أمام زائر الفجر الذي كاد أن يوصله إلى الضفّة الأخرى.. هناك حيث ينتظره
أبوه العائد من الحجّ، وريني شار وهيدغر والمعرّي.. في تلك المسافة الفاصلة تماماً يتوقف محمود،
وينزع يده من يد زائره الخشنة، ويذهب في تأمل المكان، فيصفه:
"في حضرة الغياب"
عن المنفى والحنين إلى الحاضنة الأولى
*عزت عمر
هكذا بكلمة (نصّ) المثبتة أسفل العنوان على غلاف الكتاب، يحاول محمود درويش أن يبعد قارئه
عن حيرة التصنيف، ليتعامل مع المادة المكتوبة كلحظة تخطّ للحدود بين الجنسين الأدبيين
اللذين تمايزا بنائياً مع بداية انفكاك الأجناس ما بين العالم القديم والعالم الجديد بثقافتيهما وآليات تفكيرهما.
وبهذا المعنى، فإن نصّ "في حضرة الغياب" أشبه بالعودة إلى الوراء بضعة خطوات، ليسافر
في زمن الملحمة وأبعادها الرمزية والتراجيدية، على اعتبار أن الملحمة مازالت تعتبر الأرضية المشتركة
التي ينطلق منها الأدب وخصوصاً في شكله الروائي، وهي إلى ذلك مازالت حاضرة
في الوجدان الجمعي بكلّ غناها البنائي والدلالي.
إنها تجربة جديدة تستعيد الموروث السومري وربّما رحلة جلجامش تحديداً من ناحية بنائية النصّ،
حيث يتناوب السرد والشعر على تقديم الحكاية بالشكل الذي وصل إلينا. السرد الجميل الناهض
على بنية حكائية سيرية سيمنح الشاعر إمكانية التحرر من ضغوطات الجملة الشعرية
الغنائية بأوزانها وتفاعيلها وإنشائيتها المأثورة عنه، وربّما نحو شكل وأسلوب قصيدة النثر،
سيما وأن البنية السردية هنا تنهل من معين السيرة الذاتية لشاعر مبدع ومثقف مشهود له
بقراءاته الواسعة وبتمثّله للتراث الإبداعي العربي والإنساني، وتنهل من معين سيرة الشعب
الفلسطيني، وفلسطين التي استباحها الليل فبعثر سكانها في المنافي.
ولادة جديدة
*عزت عمر
When I woke up for the first time
A beautiful voice flew to me from the Indian Green Fields
Where the sun enlightened it and which radiated
with a rainbow gleam
Like a vision in a movie
A woman picked fruits humming a tune
It was at that moment that I realized I was reborn
And till now that tune is humming in my mind
Thanks to:
Professor Dr. Santosh Mathew &
his wife Dr. Reena Mathew
And the wounderful doctors: Tom Antony Colingat &
Dr. Saoud Taymour
Izzat Omar
ولادة جديدة حقيقية وواقعية وليست رمزية، وعمري الآن لا يعدو بضعة الأيام من نهاية السنة 2007 والعام الجديد، وهذه الحقيقة يعرفها فقط أصحاب
القلوب المرهقة الذين اضطروا إلى إجراء عملية القلب المفتوح.
هاهي الغابة فأين الأشجار.
عن المشهد الشعري العربي وبعض قضاياه الإشكالية
*عزت عمر
قد يتساءل القارئ وهو يتصفّح كتاب "هاهي الغابة فأين الأشجار" للدكتور الشاعر علي جعفر العلاّق1،
عن مغزاه سيما وأنه ضمّنه هذا الاستفهام الإنكاري لمسألة بديهية لا تحتمل الإنكار، وهي أنه لا غابة
بدون أشجار، وبالتالي لا يمكن تسميتها بذلك إلاّ على سبيل المجاز المنطوي على دلالة يسعى المؤلّف
لتبصيرنا بها بينما هو يستعد للدخول في رحاب عالم الشعر نقدياً، وليطرح الكثير من قضاياه الإشكالية
التي ما زالت مثار نقاشات وحوارات غير منتهية، ولكن عندما يتناولها شاعر معروف بحساسيته اللغوية
وبجماليات تصويره وتناغم أوزانه وقوافيه، وناقد مثقف وأكاديمي له حضوره في المشهد الثقافي العربي،
فإن هذه الآراء بلا شكّ ستكون موضع اهتمام من قبل الدارسين والنقاد والشعراء أيضاً.
إلى مطر قديم
أحوال شخصية لم تكتمل
*عزت عمر
"إلى مطر قديم" كتاب أوّل للكاتب والصحافي إسماعيل حيدر، الذي عمل في الصحافة اللبنانية
في بدايات حياته المهنية كمحرر ومدير تحرير، ثمّ انتقل إلى الإمارات ليعمل بجريدة البيان.
والعنوان كما لحظنا ينطوي على ذكريات ذات دلالة مشبعة بتلك الروائح التي تثيرها الأمكنة
الأولى في الغربة؛ مطر يشبه ذلك الحنين الموجع إلى تلك الحاضنة الدافئة التي يستدعي حضورها
ألماً ذا طبيعة خاصّة،
ومع ذلك نستدعيه خوفاً من النسيان ونحن في زحمة الحياة الجديدة وزمنها المتسارع، وهكذا فإن الألم
سيعني بالضرورة حضوراً يسافر في الزمن، وعندما تأتي الكتابة أخيراً نكون قد ثبّتناه في بعده الزمني،
ثمّ جعلناه محطّة يتوقف فيها العابرون، كي يتزودوا بشيء من الحبّ الذي كان، فيتحوّل الغياب
إلى حضور دائم.
"شتاء البحر اليابس" لوليد إخلاصي
نموذج رياديّ وسبق فنيّ في تاريخ الرواية العربية الحديثة
*عزت عمر
تقديم
برز اسم وليد إخلاصي ككاتب روائيّ ومسرحيّ حداثيّ في بداية الستينيات من القرن العشرين، وهي مرحلة مبكّرة
قياساً إلى الإنتاج الروائي العربي الذي رهن مصائره للنمط التقليدي من الرواية من حيث البنية الفكرية
أو السردية، وظهور حداثة وليد إخلاصي في هذه المرحلة تعكس لنا حساسية متوقّدة في استشفاف مستقبل
الرواية العربية، ودعم توجّهاتها الحديثة من خلال التطلّع إلى النموذج الروائي الغربيّ المتقدّم، وخصوصاً بعدما
تمّت ترجمة الكثير من الأعمال الروائية لكبار كتّاب الرواية العالميين، ومن ضمنهم أصحاب مشروع
"الرواية الجديدة" الذين سعوا إلى تقليص نفوذ الرواية الكلاسيكية في سوق الأدب، نظراً لتغيّر الزمن
وانتقال المجتمعات الغربية إلى مرحلة اجتماعية واقتصادية تختلف على نحو حاسم مع أزمنة الرواية
الكلاسيكية في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين؛ بتبلور وجهات تيار الوعي مع الرواية الفرنسية الجديدة
ورموزها: آلان روب غرييه، ميشيل بوتور،ناتالي ساروت، وغيرهم، حيث اعتمد هؤلاء التجريب في الكتابة،
ونادوا بتجاوز البنى التقليدية المعتمدة على تسلسل الحدث، والتعبير عن أزمة الإنسان المعاصر، وخصوصاً
بعد الحرب العالمية الثانية، وانكشاف الديموقراطيات الاستعمارية.
رواية "الحروف التائهة" لوليد إخلاصي
بنية رمزية تستعيد الماضي لأجل المستقبل
*عزت عمر
فضاء الرواية
روايته الجديدة المسماة "الحروف التائهة" نعود من خلالها إلى حلب الخمسينيات وأجوائها السياسية
والاجتماعية عبر مجموعة كبيرة من الشخصيات، قدّم في مستهل الرواية سبع منها، وهم أصدقاء وزملاء
صفّ دراسي في سنتهم الأخيرة في مرحلة الثانوية العامة، والمدرسة المسمّاة "التجهيز الأولى" التي كانت
مركزاً مهماً لنشاط الأحزاب السياسية، وساحة من ساحات صراعاتها أيام حكم "الشيشكلي" الذي وصف
بالطاغية المستبد، وإلى ذلك سوف ينخرط أولئك الأصدقاء بالحياة السياسية شأنهم في ذلك شأن أبناء
جيلهم الذين شهدوا رحيل الاستعمار الفرنسي، ونهضوا جميعاً لبلورة قيم ديموقراطية ووطنية عبر
الانخراط في الأحزاب السياسية، حيث عبّر رشيد ومجاهد عن اهتمامهما بالحركة اليسارية الشيوعية،
بينما تطلّع سليم وتركي للانضمام إلى حزب البعث، أما هايل فقد كان معجباً بالأخوان المسلمين، وبقي حامد
وأحمد على الحياد. وبالرغم من هذا الاختلاف في المواقف السياسية إلاّ أن الأصدقاء ظلّوا أصدقاء
مخلصين يجمعهم حبّ السينما وحضور أحد الأفلام المعروضة يوم الاثنين من كلّ أسبوع، ويجمعهم
كذلك الإعجاب ب"فضيلة" الفتاة الساحرة في جمالها، إلى درجة أنها باتت محطّ إعجاب سائر المحيطين
بها من طلاب ومدرّسين ورجال حي الجميلية.
