ديمومة الشعر في تجدّده:
تجربة الشاعر الإماراتي إبراهيم الملاّ.
*عزت عمر
مازلت أجهل لماذا أبطلت العرب عادة الاحتفاء بولادة شاعر جديد، خاصة إذا كانت هذه الولادة بازغة
بإشراق رائع كما "صحراء في السلال" للشاعر الإماراتي إبراهيم الملاّ؟ سيما أنَّ الأمم المعاصرة ما انفكّت
تبحث بدأب وبمال كثير عن فرصة واحدة للاحتفاء بالنجوم التي تشع صدفة في مجال الرياضة أو الغناء
وغير ذلك، رغم أنَّ الشاعر لا يقلّ أهمية عنهم، بل برأينا يزيد عليهم، لأنَّ الشعراء هم ضمير الأمة وسجلها
الزاهر يوم يُنسى كلّ شيء، وها نحن ما زلنا نعتز بتراثنا الشعري والمعرفي الحافل بأسماء ماجدة، في
الوقت الذي نسينا فيه أسماء أبطال رفع الأثقال والمصارعة رماة الرمح والحكام و المؤسسات، بل حتى
المدن التي أنجبتهم، بقي أصحاب الضمير الإنساني والوعي المتجدد الذي أمطر جغرافيتنا العطشى بالحب
والحرية والألق الجميل، فانضافت أعمالهم جميعاً إلى الرصيد الثقافي الوطني والإنساني.
نحن من جهتنا سنحتفي بمجموعة "إبراهيم الملاّ"، كمجموعة جديرة بالكتابة عنها، لأنها جديدة
في شكلها ومضمونها.
والجديد في نصوص "إبراهيم الملاّ" ليس طرافة الموضوعات ولا رشاقة الصور فقط، وإنما تمكّنه من
الخلاص من لغة اعتادت التمركّز حول الذات والتغني بأمجاد لم تصنعها، وتدشين لغة جديدة تفتح قلبها
للزمن الجديد بكلّ ضروب المعرفة الراقية التي أنتجتها حداثة تأسست على العقل التحليلي النقدي، وشعر
إبراهيم بهذا المعنى سيكون غنياً بتجربته الإنسانية، أنيقاً في هندامه، لأنه يدرك كلّ الإدراك أنه يبثّ كلاماً
معبّراً عن حالة فائقة الإحساس بالعالم والذات والأشياء.
4.1 شعرية الحياة:
"ترتعشين
هكذا
لأنَّ الشتاء يطرق الباب
ونلمسه في الوهم
الشتاء مهنة جدّاتنا
وهبة الليالي التي ضاعت
ذكريات الصنوبر..
ترتعشين..
وعلى الطاولة فتات الجاز
وصوت القمر البارد
نربّي خوفنا كما نشاء
نرطّّبه بحنين الأمّهات
بتلك الضفيرة التي ثقلت على الريح
والشعرة التي نجت من السقوط.."
فأيّ شتاء هذا الذي يغزو مخيلة الشاعر، كي يسعى إلى وصفه بعدّة جمل سردية رشيقة؟ وهل اقتصرت
مهمّة النصّ على وصف لحظة شتائية بَرُدَ الشخوص فيها وانتهى الأمر، أم أنَّ ثمة حكاية أخرى
سيقدّمها الشاعر من خلال الوصف الخلاّق لشتاء حضر فجأة وراح برياحه وعواصفه يطرق الباب؟.
برد يعصف بالروح والجسد، فتتمّ مواجهته بحكايات الجدات وعواطف الأمّهات المليئة
بالدفء.
إذن ليس عبثاً أنْ يتّجه الشاعر للمرأة الأم كي يقحمها في مواجهة مع الطبيعة، فالأم حامية للطفولة على الدوام
وهي إلى ذلك امرأة وشريكة الرجل في الحياة، والشاعر في جميع نصوصه لن يخاطبها إلاّ عبر هذا الوعي
الجديد سواء عبر اللغة الخالية من التعالي و الدوران حول الذات، أو عبر خلفيته الفكرية الذاهبة إلى
شفافية إنسانية راقية، والقارئ للمجموعة سرعان ما سيلاحظ هذا السعي وتصميم الشاعر على تصدير
نصّ مدروس تتضافر فيه سائر الخصائص الأسلوبية للنصّ الجديد، كي تتجانس الفكرة مع الخطاب
المبثوث.
وسنلاحظ أنَّ الخطاب المصدر إلى المرأة سيخلو من أساليب الإنشاء وصيغ الأمر المتعالية والاستفهام التي
غالباً ما يستخدمها الشعراء بوعي أو دونه، وستأتي استهلالاته حيادية تماماً من خلال الإخبار الذاهب نحوها:
"البيت ممتلئ بك"، "الينبوع الذي تدفّأنا به على خشب السنوات"، "الضباب قرب المصابيح سائل"..
ولدى استقصاءنا أكثر وجدنا أنه من النادر أنْ يلجأ الشاعر إلى بناء جملته بالإنشاء المتضمن الأمر،
أو المضارع المقترن بلام الأمر، بل حتى اسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر، وهذا ينطبق
أيضاً على أسلوب النهي وتوابعه النفسية، هذا رغم إدراكنا أنه بإمكان الشاعر استخدام هذه الأساليب
على طريقة الشعراء للالتماس أو التمني أو التحسّر وغير ذلك من الأغراض المعروفة، إلاّ أنه ابتعد عنها
جميعاً، ربّما لشعوره أنَّ ذلك سيؤدي به إلى دونية مرفوضة بطبعه الذاهب إلى الحرية، ومن هنا ستؤسس
اللغة الجديدة لعلاقة الشراكة القائمة على المساواة بين الطرفين:
"تذكرين..
تعب النسمة
ومكوثنا الطويل
في نفَس الوردة
حيث الحديقة التي تتفتّح في الفكرة والغاية
التي تنام على راحتينا..
تذكرين انبهارنا بالسكوت
ونحن نحدّث الفراشات
حتى نسينا أحداقنا
في الأفق
كذلك الأمسيات التي جرّحتنا
حتى خدشنا الهواء
بيقظتنا الأكيدة.."
ومن الأساليب الإنشائية التي اضطر الشاعر إلى استخدامها مرات قليلة، كان أسلوب النداء المحبب بغرض
الاحتجاج أو الرجاء من مثل "يا مساءات الرغبة اقبليني ضيفاً"، أو "أيتها الغرف الرخيصة، العالية على
بؤس العالم" أو المصدر النائب عن فعل الأمر على سبيل الاسترحام رواية على لسان النوارس
كما في قوله:
"أيتها الغائبة
في حرش الذهب
في ضباب الأبنوس
رفقاً: قالت النوارس.. رفقاً لأننا تركنا بيتاً حزيناً على الساحل
واشتقنا لوردة أضاءت أفريقيا.."
وكما نلاحظ، تتسم لغة إبراهيم الملاّ بالعفوية والتلقائية الذاهبتين في الإخبار عن لحظة سردية تنشغل
بالحياة اليومية، واضحة دون تكلّف، موحية وذات دلالة تتوغل عميقاً في الداخل الإنساني، وهي إلى
ذلك شفّافة تماماً، ومشحونة بعاطفة حارة تنسجم والتوجه الفكري للشاعر:
"ماذا لو تركت المشاغل
على الرف
وفتحت الدواليب
لشغب الظلال
ماذا لو كنّست البياض من الغرف
أو أجّلت المحبة ليوم
ماذا لو تركت يديك في الطيف
والشراشف في السماء
وأزحت الوردة عن وحشتها.."
وبالطبع ليس قصدنا من شعرية الحياة هنا هو إتخام النصّ بالمفردات اليومية أو بمستهلكاتها، على الرغم
من أهمية ذلك، وإنما العلاقة بين الأنا والآخر، بين الأنا والآخرين.. هؤلاء الذين يعيشون معنا كمجتمع
أو كنخب وغير ذلك، ونحن إذا كنا قد أشرنا إلى جانب من علاقته مع الآخر ، إلاّ أنَّ ما يلفت النظر في تجربة
"إبراهيم الملاّ" الشعرية، أنه سيكشف عن جانب رائع من خطاب يعبّر به بضمير الغائب المفرد(هو) أو
الجماعة (هم)، أو بألف التثنية بحيث تغيب أنا الشاعر كلّياً فيظلّ واحداً من هذا الكلّ، ومن النسق الأوّل
سنكتفي بإيراد قصيدته الرائعة "عينا تشي غيفارا" حيث يقول:
"بيديه الناعمتين
يفرك الألم
الغبطة كما هي: لامعة
ولا خوف على الغد من تناثر الضوء
أو اختفاء الأشجار من الحديقة.
لاشيء لديه
يسقي نبتة الدار ويقول:
غداً سيخونني ظلّ
ويكون مقامي
كمقام السراب
غداً سأترك قبراً عالياً
للملائكة والسنونو
لاشيء أكثر من ذلك
تبقى الخديعة لامعة
مثل ناب الذئب
وندى الشوكة..
غداً وبلا ترتيب
سيستضيف موتى تأخّروا
وضيوفاً تحجّروا في الممر
سيهيئ نهاراً تالفاً
وحكايات زائدة
سيذكر سيرته للأقفاص
وللحجارة المرعوبة في الحائط
سينظر لعينيّ "تشي غيفارا" ويقول:
أجمل عينين لمحارب
وأجمل صلاة.
سينتظر الغد
وسيبرق البيت مثل مكيدة
أمّا على الحائط
فسيكون الألم كعادته
مرتدياً بزّة جنرال
وبأجمل عينين لمحارب."
ومن النسق الثاني.. النسق المصدر بضمير الجماعة، فإننا سنقع على قصائد كثيرة:
"غبارهم على العتبة لم يزل
طاهراً
كأحداق السنونو… نقول: إنهم أصدقاؤنا
لأنهم هجروا البيوت
وتركوها لمبيت فاخر
لنزهة رياح زرقاء
للتغريدة النادرة.."
أو كما في قصائده "فجر" ، "أطياف" ،"الذاهبون" ،"جنازات" ،"شتوة".. وغيرها ، الأمر الذي يؤكّد وعي
الشاعر وسعيه على أنْ يكون جديداً دائماً، ومن هذه القصائد جميعاً سنتوقف عند قصيدته "الذاهبون" التي
تعبّر عن أجواء ملحمية وفضاءات رثائية مدهشة:
"كأنهم لم يرثوا سوى الحافة
وأطالوا سهوهم
حتى الدخان
كأنهم ذهبوا في الأشياء
حتّى داهمتهم الدراية
اقتسموا لليلة الجهات كلّها
انتبهوا لظلالهم اليابسة كالمراثي
وأنهم أصبحوا أقرباء للبحر.
كلّ هذا الهواء
لم يتّسع
كلّ هذا الحنين لم يرتجف
تطاولوا على الغيم
وأخذتهم الدروب إلى خديعتها
كأنهم استبسلوا
والأعداء وحدهم تقاسموا الضغينة
لم يبق سوى العزلات الفائضة
تغويهم كلّما مرّ طائر
وتوقّف ظلّه في أحداقهم.."
وهذه بضعة مقتطفات من نصّ اعتمده بقليل من الكلمات عن معان وأفكار كثيرة، وبتقنية ارتكزت على
توزيع المفردة ووضعها في موضعها المناسب في سياق الجملة لتفيض دلالة، وعلى سبيل المثال
فإنَّ استخدامه للفظة "كأنهم" في الاستهلال، إنما جاء كتمهيد أوّلي لحدث سيبدأ بالكشف عنه بعد قليل،
وسنلاحظ هنا أنَّ السرد الإخباري سيبقي فضاء النصّ مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، ليذهب المتلقّي
في التساؤل: مَنْ هؤلاء، ولماذا ذهبوا؟ وهل هم بحارة الأمس؟ أم أصدقاء اختاروا غياباً؟ وهكذا نذهب
في متابعة أخباره ولكنه كأيّ قصاص ماهر يدرك تعطّش متلقّيه إلى نهايات الكلام، فيزيده ذلك إثارة فيذهب
في تلوين الأماكن وتوصيف الحالة، ولن ينتهي الأمر إلاّ بانتهاء اللحظة السردية باستيفاء الحدث شروطه
.. لحظة ابتعاد "الذاهبون" في غربتهم، فخاصمتهم اللغة، ونسيتهم أسماؤهم..ابتعدوا فـ:
"تجمهر الليل على مقاعدهم
ولم يعيدوا سيرة النهار"
4.2 الصورة:
النصّ.. المشهد.
يتّجه إبراهيم الملا في سائر نصوص المجموعة نحو صياغة النصّ "المشهد" المعتمد أساساً على القدرة
الفائقة على التصوير، وهو إلى ذلك سيشغل قارئه بمزيد من التفكير في العوالم الجميلة التي يصوّرها بتقنية
عالية، حتى لنكاد نبصر حدثاً يتمّ أمامنا للتوّ:
"الرجل غير المرئيّ
في الشوارع
يحمل أكياس نهارات فائتة
لا ظلّ له
لأن شمس البارحة
لم تستفق
ولأنَّ أناساً كثيرين
نسوا أحلامهم على الأسرّة
وما عادت الغرف تكفي طوابير الأسرار.
شمس البارحة لم تستفق
والليل اصطحب أطفاله
مذعوراً
إلى النوم
وما ناموا.
الرجل غير المرئيّ
هادئ على المقهى يستعيد من الهواء
حوارات الأمس
الزبائن الدائمون
لم يأتوا أيضاً، وكأن بواخر ساقتهم إلى سواحل النسيان
أو قطارات
انتهت بهم إلى حواف العالم.."
ولنلحظ عبارة " لا ظلّ له".. فكيف رجل يحمل ما يحمل ويمشي في طريق، ويغيب عنه ظلّه؟ سوف نرى
أنَّ حضور هذا الرجل استدعى أشياء كثيرة: الشمس آثرت النوم وعدم الخروج، وكذلك فعل زبائن المقهى،
حتّى الليل المعروف بغموضه خاف وركض مصطحباً أولاده إلى النوم، فلم يبق للرجل الخفيّ إلاّ أنْ يجلس
في المقهى الشاغر كي يستعيد من الهواء الحوارات التي ظلت عالقة به.. الليل والنهار المتضادان أبداً
سيتحالفان ضدّ هذا الرجل، فيؤثران الغياب لذات الأسباب التي تغيب فيها الناس عن الشارع والمقهى،
وسيكون لهذا الغياب آثار حقيقية على الأبنية وصنابير الضوء والإعلانات..
وهذا المشهد المبتكر حافل باللون والحركة، وكأننا أمام مشهد سينمائيّ حقيقيّ يديره مخرج بارع، وأعتقد هنا
أنَّ السينما أثّرت كثيراً في ذائقة الشاعر، وكأنه بهذا المشهد أراد أنْ تصيبنا هذه العدوى الجميلة فنوجّه
أعيننا نحو اللوحات التي يخرجها بأناقة قلّما التمسناها لدى أضرابه من الشعراء، وهو إلى ذلك سيمعن في
هذا الضرب من التصوير الفائق في مختلف قصائده، ولكننا سنكتفي بإيراد هذا النصّ المعبّر:
"الضباب
قرب المصابيح
سائل
ويغسل القمر.
الضباب على عتبة الفجر
نحبّه
كما نحبّ أرواحاً قديمة
نحبّه كذلك
لأنه الصحراء متبخّرة فوق الشوارع
قرب الأكواخ
وعلى شعر الصبية الشقراء
نحبّه
مثلما تكون الوداعة إرث العصافير
ومثلما تذهب الظنون إلى حتفها العالي.
الضباب لحاف هذا العالم
على الأعمدة
يلوّن صمتنا.."
ولا أظنّ أحداً يقرأ هذا النصّ الجميل، ولا يفهمه ، أو يظلّ متمسكاً برأيه من أنَّ الشعر الحديث غامض
وصعب وغير ذلك من حجج، التي واظبت على الوقوف أمام البوابات، ولم تتجرأ لحظة واحدة في
الدخول لترى ما وراءها.
4.3 الوحدة والكثافة في الرؤية:
ستحفل نصوص المجموعة بعوالم الطفولة وذكرياتها الضاربة في وعي الشاعر، وهي إذ تنثال على ذاكرته
بوعي منه أو باللاشعور، فإنما تؤكّد ذلك النزوع نحو الشفافية الكلّية.. نحو الطهرانية الخالصة من
الدنس والعدوان ومختلف الشرور.. نحو رومانسية أخاذة لها سياقها الدرامي، الذي يهدف إلى إعادة
الاعتبار للإنسان بكلّ صفاته الذاهبة نحو مطلق الخير:
"في الصمت الأخير للّيل
في الصمت الأكثر دقّة
من الإبرة
خرجت أرواح بيضاء من الشجر
وكنّا نضيئها أكثر
بالحلم الفائض عن أسرتنا
في الصمت الأخفّ من الوهم
ضيف وحيد كان يدقّ أبوابنا
ذلك الذي نسمّيه الأرق
الذهبي بتيجانه المرصّعة.."
هذا الأرق الذي يهاجم فراش الشاعر ليلاً كان "ذهبياً" لأنه يفتّق أكياس الذكرى واحداً إثر الآخر، ليفضي به
إلى أرصفة الطفولة، حيث الحمامات وطائراته الورقية، فتنفلت العواطف شفّافة نحو طفولة غائبة حيث:
"صباحات المدارس، والخوف الذي يطول الدروب، والألعاب المبعثرة، العصافير، الحكايات والحساء الدافئ"
كأننا بالطفولة بديل أو تعويض لحزن الشاعر وغربته الواقعية، فيتّجه إلى
الصفاء المطلق:
"الينبوع الذي تدفأنا به
على خشب السنوات
الينبوع الذي سرقنا
من اليقظة
والظلال التي وزّعتنا في الجهات
خارج البيوت
وقرص الخبز الذي يشبه القمر
خارج الحبّ والحساء الدافئ
حيث رطّبنا الألم
وجعلناه تمثالاً من الشمع والحكايات
إلى الينبوع رمينا الخرافة كلّها
وقلنا غداً
سوف يزهر في قلبنا ساحل أبيض.."
سنلاحظ في هذا النص أنَّ ثمة ثلاث مفردات مفتاحية أسست له وهي (الينبوع، رطّبنا، رمينا)
والينبوع كمعطى مجازي سيتجاوز معطياته الرمزية المألوفة فيستحيل حاضنة دافئة بإمكانها جلب
الطمأنينة، وفي المقابل فإنَّ الظلال كمعطى مجازي نقيض ستكون طاردة ،وما بين النقيضين سيكون هناك
عالم منفعل بهذا الصراع، يتذكره الشاعر جيداً، ولذلك فإنَّ عبارة "رطّبنا الألم" ستأتي كي تذكرنا
بحياة هؤلاء المنفعلين بالصراع الدائر ولا علاقة لهم به، وربّما هم أطفال صغار، أو غير قادرين على
اتّخاذ موقف ، فتم تبيئة الألم والصبر عليه، ثمّ جعله تمثالاً يمكن التضحية به على طريقة الأسلاف
في الأساطير (رمينا)، وبهذه الأضحية التي تكمن بداخلها عوالم قديمة، ستبدأ لحظة الخلاص
ويزهر المستقبل.
وستعزف نصوصه "سفر، الغريب، أمنية، رغبة، الصديق الشاحب، عينا تشي غيفارا" هذا الوتر
الذاهب إلى النقاء والطهر، وكلّ معزوفة سيكون لها رتمها الخاص ولونها الخاص، وإنْ اتّحدت
جوهرياً في الخطّ الفكري، وذلك لأنَّ الوعي الرومانسي لا بدّ له من أنْ يتّجه بشاعرنا نحو العديد من
النزعات الوجدانية المعبرة عن صدق المعاناة، وحتى لو اتّخذت بعداً رمزياً أو سريالياً، إلاّ أنها في نهاية
المطاف ما هي إلاّ تعبير عن التماس الذات الإنسانية التائهة في معمعان الواقع الضاغط القاسي:
"في الحديقة المظلمة
حيث لا بريق
إلاّ وهو مكسور كنصل
رأيت الأرواح
وهي تحدّث الفصول البعيدة
رأيت السماء
قريبة حتى النبع
والأطياف والأغنيات
في رقص محموم.."
ومن جانب ثان فإنَّ المرأة في نصوص "إبراهيم" ليست هي الحبيبة القديمة التي تستوطن ذاكرتنا الجمعية،
وخصوصاً تلك الأشعار الذاهبة في تفاصيل الجسد المكوّر أو غير المكوّر، وإنما هي من تتغنى النهارات
والشموس بها، وهي كالأرض الخضراء خيرة أبداً، ولا تعرف اليباس، البيت يمتلئ بها ومشغوف
برائحتها، والكلّ حريص على محبّتها:
"كمن يختفي في غابة
أو ليل
كمن يضلل الأنهار
ويهدأ في العري
تأتين أنت فقط
مثل جنون الحبّ
خضراء وعريقة
تشبهين جبالاً من عدم.."
وتأكيداً على نهجه المعني بالزهر والعطر، يتّجه الشاعر لإضاءة الروح في جسدها، لكي يخفف من وطأة
الإرث الذي أدمناه في الوصف والتشبيه، وفي تحرّي مواقع التصعيد الحسّي دوناً عن صيرورتها الإنسانية،
ودوناً عن آمالها وأحلامها في التعايش مع الآخر ، ودوناً عن عدوانية اقتضتها أزمنة وأزمنة.. ستكون
المرأة في نصوصه ندّاً للطبيعة في قدرتها على العطاء ومحو العتمة عن روح الشاعر:
"تسحبين الخيط
والستارة كأنها تهيّأت للشموع
تطرزين بيديك
عتمات كنت فقدتها
وعيون تعففت حتّى نسيت وجهك.."
*انظر الدراسة الكاملة لأعماله في كتابنا "استعادة المشترك الإنساني" منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة
Izzat Omar
izzatomar@yahoo.com


