رائحة الزنجبيل لصالحة عبيد غابش..
بعض قضايا المرأة الإماراتية في الزمن الجديد.
*عزت عمر
تقديم
على غرار شخصيات فيرجينيا وولف الخارجات للتوّ من غرفتها نحو العالم، تخرج علياء من فضاء منزلها الضاغط على وجودها إلى الشارع حيث المطر المنهمر بكثافة، في ما يشبه المغامرة غير المفهومة، نظراً لأنه من غير المقبول اجتماعياً أن تخرج امرأة تحت المطر في مجتمع محافظ، وخصوصاً إذا كانت هذه المرأة أستاذة جامعية وسيدة أعمال تدير شركة تجارية كبيرة في الشارقة.
وهذه الرغبة في الخروج إلى الماء سوف تحمل بعداً رمزياً يشير إلى رغبة للخلاص من حياة ثقلت على وجدانها فأنستها نفسها وأنوثتها بعدما أوشكت على الدخول في العقد الرابع من عمرها. وإلى ذلك فإن المشهد الوصفي المتناغم مع الذات المنكسرة للأنوثة سوف يقدّم للقارئ المزيد من الكشف عن حالة القلق والحزن التي تعيشهما علياء، وكأنها بهذا الخروج تريد كشف حقيقة ما يعتمل داخلها من تجاوز للنسق الذي هيمن على حياتها طوال عشرين عاماًَ، وليس غير المطر دلاليا من سيعيدها إلى صفائها: "ثيابها الآن تتشرب بمياه المطر، تتزاحم فيها البهجة والخوف من التجربة والشعور بالطفولة والخجل... أشعر أنني طفلة.."
وكما الطبيعة الأم عندما ترتفع حرارتها لتتخلّص بالمطر والفيضان من التلوّث وسائر ما يعيق ديمومة تتجدها، فإن "الحمّى" التي تصاب بها علياء، فترقد إثرها في المستشفى أياماً ثلاثة سوف تساعدها على التأمل والتجدد من خلال استعادة شريط حياتها، الذي جاء على شكل محطات سردية تشكّل فصولاً غير منتظمة زمنياً، إلاّ أنها في النهاية سوف تتكامل مع بعضها لتمنح القارئ بعضاً من رؤيتها للواقع والحياة، ولا سيما رغبتها الكامنة في التخلّص مما أعاق مسيرتها كذات أنثوية مغبونة بالشرط الذكوري سواء في تقاليده أو في عاطفته الأبوية، أو في فشل علاقتها العاطفية مع كلّ من عبد الرحمن وناصر.
وعلياء تدرك كسائر بنات جنسها أنها بالرغم من نجاحها في عالم المال والأعمال، وبالرغم من شهادتها العالية في مجال الاقتصاد تبقى محاصرة بشروط الذكورة التي ما انفكّ المجتمع يتمسّك بها بالرغم من الحداثة التي يعيشها، فنقرأ مطوّلاً عن علاقة علياء بأبيها، ومتابعته الدقيقة لشؤون حياتها وبخاصة خلال دراستها في الخارج، وتمكّنه من إبعاد الشاب الذي أحبّها وأحبّته، ومن ثمّ توريطها في النهاية بإدارة شركته الضخمة كضغط عاطفي أخير قبل أن يموت، وبعدما يئس من ولديه الفاشلين، فتحلّ محلّه في عالم المال والأعمال، فيغلق عليها هذا العالم وتمضي في دوّامته القاسية على ذاتها كأنثى، وليشكّل الثراء عبئاً إضافياً عليها: فتقول: سأبدو امرأة تستحق الشفقة لو عرف الآخرون أنني تعيسة ذات مال".
دلالات العنوان
يتشكل عنوان الرواية من كلمتين اثنتين هما "رائحة الزنجبيل" وربّما تقصد بالزنجبيل هنا شرابه الساخن الذي اعتاد أهل الإمارات شربه مع الحليب شتاء لأنه يمنح الدفء ويقي من نزلات البرد، وهذا يعني أنه مشروب شتائي قار في ذاكرتها البعيدة، وقد استعادت رائحته اللطيفة بعدما تعرّضت لنزلة البرد ومكثت في المستشفى، وتأكيد الكاتبة على حاسة الشمّ لأن ذاكرتها تخزّن رائحة ثياب أمها، هذا بالإضافة إلى أن شراب الزنجبيل جاء ذكره في القرآن كشراب لأهل الجنة لقوله تعالى: "ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا" سورة الإنسان الآية 17، فيأخذ بذلك بعداً دلالياً إضافياً يرتبط بالمقدّس الديني، مما يعني أن التركيز على العنوان من قبل الكاتبة لم يأت اعتباطاً، فهو مرتكز حنيني يفضي إلى الحاضنة الولى حيث الأمان والحنان والدفء هرباً من صقيع الوحدة والوحشة.
تقنيات السرد
إن زمن السرد في "رائحة الزنجبيل" هو زمان مضغوط، لا يتجاوز الأيام القليلة التي أمضتها علياء في المسشفى، إلاّ أنّ هذه الأيام كانت كافية لكي تسترسل بأفكارها وتأمّلاتها ما بين الماضي والحاضر، على شكل فصول سردية غير منتظمة، ارتبطت بحالات الحمّى والهذيان والصحو، التي كانت تعيشها إبّان مرضها. وإلى ذلك فإنها سوف تضفي على عنوان كلّ فصل لمسة شاعرية بعبارات إضافية من مثل: متاهة/ الوجوه التي نحبّها، ليست وحدها دافعنا للكتابة، أو "هذيان/ بعض الحقائق تطفو على سطح الحمّى، أو "مشغولة/ لحظة مخاتلة.. تلك التي تجعلنا نبوح.. ثمّ نندم"، الأمر الذي يمنح النصّ بعداً جمالياً وإضافة إبداعية تهيء القارئ للولوج في عملية التخييل التي سوف تسردها بعض حين.
ويمكننا تقسيم موضوعات هذه الفصول على النحو التالي:
ما يرتبط منها بالماضي البعيد نسبياً، في زمن الآباء والأجداد، وما يرتبط بماضيها هي وعلاقتها مع الأهل والأصدقاء والمحيط، لنرى أن الماضي في بعديه سوف يشكّل علامة مضيئة، ستعمل الساردة على الكشف عنها من خلال إعلاء شأن قيم العمل والثقافة التي كانت سائدة، بدليل إقامتها مجموعة من التناصات التاريخية عن منطقة "الحيرة" في الشارقة كمكان أنجب تجّاراً وشعراء حملوا ألوية الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبالإضافة إلى ذلك القيم الوطنية، حيث تستعرض موقفاً مهماً لأبيها وأصدقائه إبّان الاحتلال الإنجليزي في أكثر من موضع، و لا تنسى بطبيعة الحال الموقف الشعبي من المستعمر.
أما ما يرتبط منها بالزمن الحاضر، فهو زمان التعب والمعاناة بالرغم من البترول الذي خلق حالة من الرفاه التي جاء بها البترول إذ إن السلوكات والقيم تغيّرت، ليحل محلها قيم جديدة نموذجها حفل العشاء الي أقامته السيدة نورة بمناسبة افتتاح دار أزياء فخمة تطلّ على شارع الوحدة، حيث ترصد الكاتبة في مشهد ناقد: حالات البذخ والمباهاة، المجاملات، الحسد، النميمة، في وسط يتألّف من: "سيّدات أعمال"، ربّات بيوت مترفات، مديرات ومسؤولات في دوائر وشركات ومؤسسات مختلفة.
وبرغبة منها في التركيز على تناقض العالمين ستختار شخصيتين نسائيتين بالإضافة إلى علياء هما: "عُذيبة" العذبة ورمز المحبة والإخاء والنقاء التي ظلّت في الريف ولم تتلوّث بالثقافة المدنية الجديدة التي سادتها المصالح المادية والكذب والمجاملة والنفاق، فتبقى وفية للصداقة التي ربطت بينهما منذ أن التقيتا صدفة في إحدى الرحلات المدرسية، وبالتالي فإن "عُذيبة" على المستوى الدلالي سوف تتوازى مع الطبيعة البكر في ممكنات العطاء والشفافية والجمال كما لدى الرومانسيين.
أما مريم المتطفلة على عالم سيّدات الأعمال فهي شخصية تأخذ بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فتعمل على مدار الرواية للهرب من ماض يثقل عليها، تسعى للتخلّص منه ولو كان على حساب صداقتها مع علياء، فتعمل على توريطها بإقامة علاقة مع أخيها غير الشقيق ناصر، كي تحقق ما ترغب به من ثراء وبذخ تراه في الوسط الذي لجأت إليه، ولكنها غير قادرة على مجاراته، وبالتالي فإنها سوف تكون نموذجاً تدين من خلاله العلاقات المدينية الجديدة مقارنة بعذيبة والحياة الريفية البسيطة.
إلاّ أن ما يثير اهتمام الدارس في هذا الجانب الذي رصدته الكاتبة لمجتمع النساء المديني الحالي، هو طموح المرأة الإماراتية المتواثب زمنياً في فترة قصيرة، ونجاحاتها سواء من حيث الدراسة ونموذجه الدكتورة علياء أوذلك الحضور الكبير لمديرات الشركات والمؤسسات، بالإضافة إلى سيدات الأعمال ودخولهن عالم التجارة والبزنس، بمعزل عن تلك الثرثرات التي يمكن ملاحظتها في المجتمعات كافة، وإن عنى هذا بشيء، فإنما يعني بشكل أكيد تطوّر المرأة في دولة الإمارات وانخراطها في حقول التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
*رائحة الزنجبيل، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة، 2008
*صالحة عبيد غابش شاعرة وقاصة إماراتية، ومديرة تحرير مجلة "مرامي"، صدر لها ثلاثة دواوين شعرية: في انتظار الشميس، المرايا ليست هي، الآن عرفت.


