طروس إلى مولاي السلطان
لسارة الجروان
*عزت عمر
المغزى الروائي وارتباطه بالواقع
في هذه الرواية تعود بنا سارة/حصة الجروان إلى زمن مضى وانقضى، برغبة منها في استعادة زمان مازال
يرتبط بالحاضر ويؤثّر فيه، على اعتبار أن العادات والتقاليد التي أنتجها ذلك الزمان يظلّ لها استطالاتُها
في الزمن الجديد، ونعني به زمان الدولة الحديثة، فتعيق هذه الاستطالات الحراك الاجتماعي والثقافي على نحو
ما يراه البعض ضاراً، أو ما يراه آخرون مفيداً، غير أن سارة الجروان كما في أطروحاتها المبكّرة ستؤكّد
لقارئها أن سيرة قمع المرأة واضطهادها تؤلمها كثيراً، فتعمل على تبيان نواتج هذا العنف من خلال فضح
العقلية الذكورية السائدة سواء داخل الأسرة أو في المحيط، متتبعة هذه السيرورة عبر ثلاثة أجيال في أسرة
واحدة مثّلتها رمزياً ثلاث شخصيات يأتي في مقدّمتها: الجد ابن عتيج، ثمّ الأب جمعة ممثلاً للجيل الثاني،
بالإضافة إلى حصّة من الجيل الثالث، وتقوم بدور الساردة "سلطانة" التي تقوم على غرار شهرزاد
بسرد الحكاية على السلطان الذي ظلّ شخصية غامضة ومتعالية لم نعرف عنه شيئاً سوى ما قدّمته الساردة
من عبارات الإطراء والمديح والحبّ على النحو التالي: سيدي ومولاي السلطان، حكي أنه في منطقة
جبلية ذات خصب وينع، حيث الوديان الجارية والأفلاج الباردة، وحيث يرتع الغزلان والوعول البرية..."
وإذا كان ثمة حضور للسردية الشهرزادية في طروس سارة، إلاّ أن الواقعية السحرية ستشكّل حضوراً أبرز
مستفيدة في ذلك بلاشك من عوالم ألف ليلة وليلة التي راكمت الكثير من حكايات الخوارق والأعاجيب،
ومستفيدة كذلك من منجز الرواية العالمية وبخاصة"مئة عام من العزلة"، ولكن ذلك لا ينقص من أهمية ما
كتبته سارة بل على العكس يعزز حضورها الروائي المتمثّل في قدرتها على إعادة إنتاج الحكاية وفق
شروط فنية ومضامين تودّ إيصالها.
الخضراء وأهلها أشبه بماكوندو عربية:
أولاً: البحث الأنتروبولوجي.
تسعى الروائية في استهلالها الأولي إلى تقديم لمحات مشهدية أشبه بلقطات سينمائية لبلدة الخضراء التي استقر
فيها الشيخ ابن عتيج وقومه، وهي عبارة عن منطقة جبلية خصبة، وديان سحيقة ومياه جارية،
وغزلان ووعول بريّة، السحب اللطيفة التي تبقي الطبيعة خضراء، ثمّ أهلها الذين يعيشون في بحبوحة
اقتصادية وعيش رغيد، وكان المذياع الوحيد الذي يمتلكه الشيخ ابن عتيج هو وسيلتهم الأساسية للاتصال
بالعالم، بالإضافة إلى أن مجلس ابن عتيج كان يضمّ عادة علماء ومطاوعة يفدون من المناطق المجاورة
لتثقيف الناس بأمور دينهم ودنياهم.
وبذلك فإن الشيخ ابن عتيج سوف يستأثر بالحكي خلال الفصلين الأولين، وستتمركز الأحداث عليه
كشخصية واقعية وأسطورية في آن، ومن خلاله تنفتح مجموعة من الأطر الفرعية، تسعى الساردة إلى
الكشف عنها بوسائل تقنية تنم عن خبرة وجرأة سردية في متابعة الجزئيات والتفاصيل، ومدى ارتباط
هذه التفاصيل بالحياة الاجتماعية والثقافية لمجتمع الخضراء المتخيّل، ومدى قدرتها على التعبير عن
زمانها ومكانها، وبالإضافة إلى هذه التفاصيل سوف تهتم الروائية بإيراد الكثير من المفردات اللغوية
والمصطلحات المتداولة فيكاد يقترب جهدها هذا وجهود الأنتروبولوجيين سواء في تتبعها الحكايات الشفهية
وإدراجها أو إدراج أجزاء منها بنية السرد، أو من خلال التطرّق إلى التقاليد الاجتماعية في الأعياد
والأفراح ومجالس العزاء، بما في ذلك الرقصات الشعبية من مثل الرزفة واليولة والونة والشلّة
والمطارحات الشعرية ومسابقات الفروسية وغيرها.
وهذه القدرة على التنقيب في تفاصيل الحياة الاجتماعية لا تنسى بطبيعة الحال وضع المرأة وعلاقتها بزوجها،
وطرائق الزواج في تلك الأيام، والحضور الذكوري القوي، وذلك من خلال عدة أنساق: يأتي في مقدّمتها
الحياة اليومية الاعتيادية للشخوص حيث إنها ترصدها بكل دقّة بدءاً من الاستيقاظ صباحاً والحركة داخل
المنزل وخارجه وحتى العودة إلى النوم، ومثالها علاقة الشيخ ابن عتيج مع أسرته، ومع مريديه وتلاميذه
ومن ناحية أخرى إبراز علاقة الشيخ مع العلماء والفقهاء ووجهاء المنطقة وطرائق سياسته كقائد اجتماعي
وروحي.
وبعد موت ابن عتيج سوف يتابع القارئ الكثير من العلاقات الاجتماعية من خلال التركيز على شخصية
جمعة الذي ورث والده كشيخ لقبيلة بني كعب وللخضراء عموماً، فتعمل على أسطرته كشخصية تجابه
مشيئات قدرية ومكائد شيطانية وغير ذلك مما يعطي انطباعاً عن آليات التفكير والعلاقات الاجتماعية
في ذلك الزمان، كالفرز الطبقي ما بين سادة و"بيادير" أي الفلاحين العاملين في الأرض، هذا بالإضافة
إلى كثير من التفاصيل النسوية ومجتمع الحريم، وموقفهنّ من الأبناء والأزواج، وبالإضافة إلى ذلك
يمكن للقارئ الاطلاع على جوانب مهمّة من الحياة الاجتماعية خلال حضور الوباء وكيفية التضامن
والتعامل معه وخصوصاً في عائلة جمعة، وكذلك بالنسبة للحياة الاقتصادية، فمن خلال السرد سوف
نتعرف على اقتصاديات الخضراء، وخصوصاً موسم الرطب والتمر والدبس، والتجفيف والتخزين
ومبادلته بالبضائع الأخرى التي يأتي بها تجار إلى الخضراء، فنعلم أن نظام المقايضة في الخضراء
هو الغالب..
وإلى ذلك يمكننا القول أن سعي الروائية إلى أسطرة بعض الشخوص مثل ابن عتيج وابنه جمعة نابع من الظرف
الزماني والطبيعة المكانية للخضراء المنغلقة على نفسها والمنفتحة على العالم بمقدار لا يؤثّر في أهلها ولا في
تقاليدهم النابعة من حياتهم الزراعية البسيطة التي يغيب عنها العلم، وغير القادرة في الوقت نفسه على تفسير
المشكلات المعقّدة، الأمر الذي يضطره إلى تفسيرها تفسيراً خرافياً، ولا بدّ أن يسند إلى القوى الخارقة
مهمة القيام بأفعال كثيرة.
ومما لا شكّ فيه أن مجموع العلاقات القائمة في "الخضراء" كنموذج متخيّل ل"ماكوندو"، سوف يصطحب
معه الكثير من حكايات الخوارق والأعاجيب، كفانتازيا تعبّر عن آليات التفكير المجتمعي والعادات وتعبّر في
الوقت نفسه عن رغبة الكاتبة من الاقتراب من عوالم الفانتازيا الواقعية بعدما لقي هذا النوع من الرواية شعبية
لدى القراء في العالم بعد ماركيز.
علماً أن حكايات الأعاجيب والخوارق هي من صلب البنية الحكائية الشهرزادية، وعلى نحو خاص السحر
والشعوذة وتحوّل الإنسان إلى حيوان وعوالم الجن وغير ذلك، وبالتالي فإن رصد الكاتبة لهذه العوالم في حياة الخضراء سيكون من قبيل الفانتازيا المقصود توظيفها كحالة إدهاش وفي الوقت نفسه التعبير عن ثقافة مجتمع
الخضراء في تلك المرحلة المفصلية.
وإلى ذلك جانب فإن، فإن الساردة سوف تعتمد على التحريض والتصعيد الدرامي باعتمادها مجموعة من
الألغاز على النحو الأوديبي عندما رأى جمعة والده في المنام، يحذره على نحو ملغوز: جمعة لك..
ما هو لك.. وحلالك حرام على واحد من عيالك.. حتى آخر واحد من نسلك."
وكأننا أمام أوديب متلقياً لغز العرافة فيتوه حائراً حتى تدفع به الأقدار نحو والديه الحقيقيين.. بينما جمعة
سوف يرى في المنام أنه يدفن صبية في مستقبل العمر.. "كنت أدفنهم في قبر أمّي"، وعلى غرار أوديب
سوف يرحل بحثاً عن حل اللغز في الأنحاء المجاورة ونحو عُمان الداخلية استمرت خمسة أشهر يعود بعدها
خائباً، إذ لم يتمكّن العلماء وكبار السحرة من إبطال السحر. وعلى هذا النحو من الخوارق والأعاجيب
سنقرأ الكثير، وفيما يخصّ أبناء جمعة الصغار فإن السحرة الغامضون القادمون من المجهول دون أي
مبرر، سوف يحوّلونهم إلى ماشية انتقاماً منه لأنه اختلف معهم، أو لأنهم ينفّذون مهمّة قدرية
من المستحيل تجنّبها:
"وبينما كان في إحدى المرّات التي يحيي فيها واقعة حزنه وألمه على أحبابه الذين فقد وافتقد، إذ تأخذه سنة
من النوم رأى فيما يرى النائم أن "درساً" حظيرة فيه سبعٌ من الضأن تثغو وتستغيث به ليخلّصها،
هاتفةً له بكلمة (أبوي) عرف في أصواتها صوت أولاده.." وعندما يسعى لقبور أبنائه للتأكّد من موتهم
سيفاجأ أن قبورهم خاوية، وسيصاب بنوبة ذعر حقيقية، وفي الوقت نفسه سوف تؤكّد هذه الواقعة
حديث أهل الخضراء من أن الجن قد احتلوا منزل بن عتيج وراحوا يعيثون فيه فساداً. إلا أن هذه الواقعة
وبمقدار كبرها وأثرها على ذات جمعة وعلى أهل بيته، إلاّ أن الروائية ستسكت عنها ولن تعاود إليها،
لأنها ستنشغل بأمور زواجات جمعة الجديدة وبرغبته في التعويض عما فقد من أبناء، فنتابع الزواجات
والولادات الجديدة على طريقتها وأسلوبها في سرد التفاصيل وتكرارها حتّى عجّت الرواية بالأسماء الداخلة
والخارجة التي قد تصعّب الأمر على القارئ في المتابعة، غير أننا نرى أن لهذا الأسلوب الوصفي خصوصيته
السردية الممتعة في حدّ ذاتها.
وإمعاناّ في الاعتماد على حكاية الخوارق والأعاجيب سوف تواظب الساردة في تناول بعضها ومن ذلك أن تأتي
ساحرة لترمي التراب في وجه جمعة فتزول آثار الجدري عنه، ونظن أن هذه المقصدية في إيراد حكاية الخوارق
تأتي بغرض تقديم حبكات روائية تنطوي على كثير من الدراما لجذب القارئ وإدهاشه. وفي الوقت نفسه لكي
تؤكّد أن الفرد عاجز عن مجابهة الأقدار المرسومة له على شكل تراجيديا شيكسبيرية قاسية ومؤلمة، وعدم
قدرته على تفسيرها في الوقت نفسه: "استمر وباء الجدري في تلك السنة ثمانية أشهر، راح بالخيار
من أهل الخضراء، ولم يكن ليميّز بين كبير أو صغير، وتعافى جمعة إذ شملته عناية الله فمنّ عليه بالشفاء
ونجا من تلك المهلكة، ولكنه لم ينج من آثار شديدة وسمها على بشرة وجهه، فحزن لذلك أشد الحزن، وظلّ
معتكفاً في صباح والده لا يبرحه البتة، حتى كانت ليلة من الليالي سمع بها هاتفاً فقام فزعاً وفتح باب
"الصباح" ليعاين صاحب الصوت، فإذ بها امرأة متّشحة بالسواد تغطّي كامل وجهها عدا عينيها اللتين
بدتا حمراوين وهما تبرقان تحت الضوء.." وفي الصباح سوف يتعجّب الجميع أن آثار الجدري اختفت
عن وجه جمعة، وتناقل الناس خبر الجنية التي شفت وجهه وجسده من آثار الجدري، و"ردّوها على أنها إحدى
كرامات الشيخ بن عتيج" وسنلحظ هنا دور الخوارق ومدى قناعة مجتمع الخضراء بها، ولكن إلى جانبها
وعلى صعيد الواقع سنلحظ مدى وعي جمعة إلى مسألة العدوى، وأهمية ما اتخذه من قرارات تخصّ مسألة
عزل المرضى وعدم مخالطتهم، والخروج من هذه المحنة بأقل الخسائر.
وفي ختام هذا المبحث يمكننا القول أن حكاية تضمين الألغاز لن تنتهي مع ما قدّمناه، وإنما ثمة لغز آخر
سيبقى منطوياً بدوره، وربّما مؤجّلاً إلى الجزء الثاني ونعني به لغز كتاب "الغزالي" الذي منح إلى مريد بن
عتيج سيف بن يلوة الذي بدروره سيدخل حياة العائلة بالزواج منها.
وإذا كان لواقعة السكوت عن هذه الألغاز مقبولاً إلى حدّ نظراً لوجود جزء ثان من الرواية، إلاّ أن تضمين البنية
الحكائية عدداً من الحكايات الكاملة من التراث الشعبي الشفاهي أو من ألف ليلة وليلة سوف تثير الأسف نقدياً،
إذ إن العمل في النهاية هو رواية فنية وليس موسوعة للحكايات والألغاز الشعبية، وكان من الممكن الإشارة
إلى دلالاتها على لسان الساردة
ثانياً: الخضراء تتجه إلى الزمن الجديد
من خلال ما تقدّم سوف نرى أن الخضراء، بعاداتها وتقاليدها، وبأنماطها الاقتصادية والثقافية كانت تقف بين
زمنين متضادين يمكننا توصيفهما بزمن الخرافة وزمن ما بعدها، أو زمن القبيلة وزمن الدولة، وإلى
ذلك فإنها موضعت نفسها على نحو حائر بين دولتين مهمّتين، وكان عليها أن تقرر اتجاه سيرها في هذا
الطريق أو ذاك، وهو ما كان يفكّر فيه جمعة به على نحو جاد .
وهذا التوجّه نحو الواقع الجديد سوف يؤثّر على عملية السرد التي كانت متماسكة فنياً بما قدّمته من حبكات
وخيال وخوارق، نحو ما يشبه الوثيقة التاريخية ومراكمة سرد إخباري سيري للعائلة، وما يمكن تلخيصه
في هذه العجالة أنه مع عام 1956 وسقوط البريمي بأيدي القوات البريطانية سوف يبدأ زمن العائلة الجديد
باتصال جمعة مع الشيخ زايد وبداية التخطيط للانتقال إلى الإمارات، وفي هذا الصدد يقول جمعة:
"اليوم وقد تغيّر الزمن، فإن الخلق بدؤوا بالانتساب كل لدولة وحاكم، وكما تعلمون بيني وبين الشيخ
زايد صداقة وأخوة، وقد دعاني إلى مدينته، وعمّر منازل لم أر لها مثيلاً، فيها أسواق عامرة بكلّ ما
يخطر على بال البشر، وعلمت أنهم سيبنون فيها مكاناً لعلاج المرض، والشيخ زايد رحب بي لأكون
واحداً من رجاله المقرّبين وسيعم الخير علينا.." ومن خلال حديث جمعة سوف يعلم القارئ أن جمعة يفكر
في الاستفادة من منجزات الدولة ومؤسساتها، بمعنى آخر يريد الخروج من زمن الخوارق والأعاجيب نحو
الزمن الجديد الذي فيه: مستشفى، ومدارس ونظام مختلف أعجب به كما أعجبت به الأجيال الجديدة
من الشباب الذين اتّجهوا إلى أبوظبي للتطوّع في صفوف القوات المسلحة.
وسيمثل الجيل الثالث لأسرة ابن عتيج هذا الزمان الجديد، بعدما تستقر في عجمان وبضيافة شيخها
راشد بن حميد الذي سيسارع إلى منحهم مزرعة في النسيم، وستنجب الأمهات أولادهنّ من الآن فصاعداً
في المستشفى وتحت رعاية الأطباء، وإلى ذلك سيتابع القارئ الفتاة "حصّة" وهي في الرابعة من العمر تعيش
مدللة من قبل والدها ووالدتها ما جعل منها بتعبير الساردة أكبر من عمرها: "بدا ذلك جلياً على سماتها،
فطّنتها، تحشّرها في كل الأمور بدافع الاطلاع والفضول للتساؤل عن
الأمور كافة.."
وحصّة هذه سوف تغدو شخصية رئيسة تتمركز حولها الأحداث بدءاً من الطرس العاشر، إلاّ أنها فعلياً ستأخذ
مساحة من السرد كبيرة قد تبلغ نصف الرواية يتابع القارئ فيها:
تربية حصّة في كنف والديها.علاقة حصّة بالمكان والأهل والفضاء الثقافي العام، على النحو السردي السابق في
مراكمة التفاصيل اليومية الحياتية والعادات والتقاليد، إلاّ أن اللحظة السردية الفاصلة في حياتها تتكثف في
لحظة دخولها دبيّ.. دبي المدنية والمدينة المغايرة لزمان الخضراء والفرفارة، إنها لحظة تدشين عهد جديد
لأسرة جمعة التي باتت على تماس مع الحياة العصرية وبما تشمله من مصحات وتعليم وثقافات مختلفة تتمثّل
في جموع الوافدين من عمالة وتجار ومعلّمات وكهرباء وتلفزيون ومسلسلات يومية وثقافة فنية جديدة،
ومكيفات وأنوار ساطعة وبواخر وسفن وكولا وآيس كريم.
وسيتابع القارئ تفاصيل هذه الحياة بمختلف جزئياتها، وانعكاس ذلك على عائلة جمعة الكبيرة، وعلى حصّة
التي كانت سعيدة كل السعادة بوسطها الجديد وخصوصاً صديقاتها ومعلّماتها، ولم تتوان الصغيرة لحظة
في اكتشاف المزيد مما يغاير زمن الخضراء وحياتها، بتلك اللغة الوصفية الممتازة بشاعرية لها
خصوصيتها، وعلى نحو خاص فيما رصدته من عوالم غنية للطبيعة والأمكنة، أو بما قدّمته
من مونولوجات لشخوصها وعلى نحو أخصّ المونولوج الختامي لحصّة، ومن ثمّ الدفع بالرواية إلى لحظة
مفارقة مليئة بالصراع وتستجيب في الوقت نفسه لقدر مرسوم، حيث إن العائلة بكل ما جلبته معها من
أثاث وذكريات سوف تجلب معها أيضاً تقاليدها الصارمة في التعامل مع الفتيات سواء بتزويجهن
المبكّر أو بعقابهنّ، نظراً لأن المدنية لم تتمكّن بعد من تغيير جيل الشباب فكيف بجمعة الذي نمي إليه
بأن ابنته تحبّ، أو أنها تراسل شاباً، الأمر الذي يدفعه لاتخاذ قرار قاس نصّ ببساطة على إقصائها
من حياة العائلة بتزويجها من رجل عجوز له زوجتان، وليتحوّل عرسها إلى فجيعة حقيقية مثلتها
الساردة بحكاية "الهام" أو الوحش القادم من زمن الخضراء ليختطف حصّة الصغيرة ويرمي بها في جحيم
تعرفه جيداً نساء الخضراء، ولذلك فإنها عندما هربت من بيت زوجها قالت لها أمّها: سيقتلك.. عودي من
حيث أتيت، فردّت عليها: سأموت من حيث أتيت.. سأموت. فتجيب الأم: موتي هناك أشرف لك
ولنا"، وبهذا الحوار الفجائعي المعبّر عن انكسار المرأة التاريخي أمام الذكورة وعن خذلان المجتمع لها
بما في ذلك: المحب القريب، والأخوة الأشقاء وغير الأشقاء والأب والزوج تنتهي الرواية، تاركة
الكثير من الأسئلة لقارئها ونقادها سواء من حيث البنية النصّية أو من حيث الأطروحات الفكرية.
*طروس إلى مولاي السلطان، منشورات دار الآداب، بيروت 2009.


