الواقع الجديد يعكس وعياً جديداً
"عيناك يا حمدة" لآمنة المنصوري
*عزت عمر
بمفارقة تحويل الفتاة المولودة إلى صبي ذكر تلبية لرغبة الأب، يذكّرنا هذا العمل برواية الطاهر بن جلّون
"ليلة القدر"، و بقصة قصيرة للكاتب التركي عزيز نسين، اللذين عالجاها كلّ من ناحيته الفكرية وأسلوبه
السردي، حيث إن الرجل الشرقي اعتاد على أن يكنّى بين الرجال باسم أبيه، أو بالاسم الذي سيختاره
لابنه المستقبلي، ولذلك فإنه ينتظر مجيء الصبي كي تتحقق هذه الرغبة، وعندما لا تتحقق، وعلى نحو شاذ،
سيعمد البعض منهم على تزييف حقيقة المولودة وجعلها مولوداً ذكراً ريثما تصحح الأمور من تلقاء نفسها
بولادة أخرى. وهذا ما كان قد فعله آباء الفتيات في الروايات الثلاث، غير آبهين بالطبع بأثر هذا السلوك
على نفسية الفتاة، ومدى فداحة هذه الازدواجية عليها وعلى مستقبلها.
حمدة في هذه الرواية استعادت اسمها من جديد بعد نحو عام بولادة أخيها حمد، وبذلك فإنها لن تعاني مثل
بطلة الطاهر بن جلّون "زينة" وتنتظر وفاة الأب لتعلن أنوثتها، إذ سرعان ما أنجبت الأم الذكور وانتهت
مشكلتها الأساسية بالنسبة للأب والأم، ولكنها سوف تعاود للظهور مع بداية ملاحظة حمدة تمييز أخوتها
الذكور عنها في المعاملة، كما أنها سوف تكتشف حقيقة ما خبّأته أمّها عنها ذات يوم صدفة، لتضيء الكاتبة
لقارئها آلية التربية الذكورية داخل الأسرة العربية وقسوة التمييز ما بين الولد والبنت في فصول متلاحقة
تشي بحرص الكاتبة على إيصال رسالتها بأبسط السبل والوسائل.
تبدأ الحكاية بلقاء بين حمدة و راشد في مقهى صغير في الساعة الرابعة مساء، ليكتشف القارئ من خلال الحوار،
أن ثمة علاقة سابقة تربط بينهما، إذ يأتي لقاؤهما هذا بعد انقطاع دام عشر سنوات، ولكن دون أن يتمّ
التصريح عن سبب هذا الانقطاع، لتخرج حمدة بعد حين إلى البحر، فتسترجع تلك الأيام التي مضت،
معتمدة في ذلك تقنيات مختلفة يأتي في مقدّمتها أسلوب الفلاش باك الذي امتاز بالكشف عن جوانب مهمّة
من حياتها وعبر السرد اللمّاح والحوارات الغنية بين الشخصيات.
المشهد الأول الذي تسترجعه حمدة، يبدأ من الطفولة وعندما كانت في العاشرة من عمرها، تذهب بها أمّها
إلى صلاة العيد، ومعها يبدأ وعي الطفلة الصغيرة في التقاط خيوط مأساتها خيطاً إثر الآخر، لتحبك روايتها
الجميلة بما أمكنها من براعة في توظيف تقنيات عدة ذكرنا منها: الحوارات والمشهديات المرصودة بدقة
لجوانب من الحياة الاجتماعية في الأعياد وتفاصيل حياة الأسرة الإماراتية داخل المنزل وعلاقتها بالأسر
الأخرى، بالإضافة إلى التضمين الشعري والغنائي والمتفاعلات النصّية التي ستضيء للقارئ جانباً
من ثقافتها الشخصية، ومن جانب آخر، سوف تعزز فكرة الحضور الأنثوي في البنية الاجتماعية والثقافية،
وتبصير قارئها، في الوقت نفسه، بمدى غنى هذا الحضور كفاعلية ثقافية وتنموية، وأن التمييز ما بين أنثى
و ذكر، إنما هو ثقافة تنتمي إلى جيل قديم وإلى علاقات إنتاج مختلفة، عمّا يعيشه المجتمع اليوم اقتصاديا
وثقافياً من تفاعل إيجابيّ مع العالم.
وفي هذا الصدد لا يمكن للقارئ إلاّ وأن يعجب بالشخصيات النسائية التي كان لها حضوراً غنياً إلى جانب
حمدة، ومثالها الأم فاطمة وثقافتها الشعرية وحسن علاقتها مع المحيط، والمربية صالحة وحواراتها الساخرة
واللمّاحة، بالإضافة إلى حمدة وأسئلتها ووعيها المستفاد من كشف التناقض ما بين السلوكات والأقوال فيما
يخص تربية الفتاة.
كما أن هذا الحضور الغني للأنوثة سينعكس في الوقت نفسه على المحيط الذكوري، لنكتشف أن ذكورية
(أبو حمد) لا تقاس بحال من الأحوال بما فعله والد "زينة" في "ليلة القدر"، أو بما يمارسه أي ذكر شرقي
تجاه بناته، فهو علّمها إلى جانب أخوتها، وسمح لها بالخروج لعند خالها، أو برفقة صالحة وغير ذلك، إلاّ
انه كعقلية قديمة كان يخاف من تعليم الفتيات، لأن العلم يدفع بهنّ للتحرر، ولذلك رأينا أن ردّة فعله كانت
كبيرة تجاه الكتب فأحرقها في التنور، بعدما أحسّ بتفتّح عقلية ابنته وبتساؤلاتها الناقدة، ولذلك كان لابدّ
من محاولة إعادتها إلى ثوابت القيم التقليدية، حيث يخضع الكلّ لهذا النظام ذكوراً وإناثاً، وهو ما عبّرت
عنه في احد حواراتها قائلة: "أية حرية تلك وهم يعيشون نصف أعمارهم مقيدين رؤوسهم بأطواق آبائهم،
ومختبئين في جلابيبهم، حتّى إذا ما كبروا وشبّوا عن الطوق حاولوا إيجاد طوق يناسبهم فلا يجدون..
ما جدوى الحرية عندما تعمي المادة والتقليد الأعمى بصرنا وبصائرنا"؟
كما أن الحضور الأنثوي كان يمارس تأثيره على الشابين المتحررين الخال محمد و راشد الذين يعتبران من
حملة الوعي الجديد من الجيل المثقف المهتم بالفكر والأدب والسياسة، وبالتالي فإن خطّط الأمهات في
تزويج راشد لحمدة كانت على وشك التنفيذ، بل إنهما عقدا قرانهما وراحا يعدّان للزفاف لولا الحادثة التي
أوقعت حمدة بمأساة جديدة والرواية بعقدة جديدة لنا رأي يخالف هذا الحلّ التقني سنعرض له
في حينه.
ولاتنسى الكاتبة في ظلّ هذا الحضور الأنثوي الغني أيضاً، أن تشير إلى علاقات المجتمع الإماراتي التي بدأت
مبكرة مع البلدان العربية والثقافة العربية، حيث تمّت الإشارة أكثر من مرة إلى تفاعل الشخصيات مع الأغنية
المصرية عبر وسائل الإعلام، وخصوصاً عبد الحليم وفائزة احمد، بالإضافة إلى دراسة الشباب هناك،
حيث يأتي راشد في إجازة العيد، كمصادفة لتعارف أوّلي بين الطفلة وبينه، بينما تتذكّر الأم أخاها محمد
الذي اعتقل هناك ولم تره منذ سنتين، وتشير في الوقت نفسه إلى اهتمام الإماراتيين بمجريات السياسة العربية
وانخراط محمد فيها خلال حكم السادات.
وإلى ذلك فإننا نرى أن هذا التمهيد كان ضرورياً لتبيان شخصية محمد وثقافته ومواقفه السياسية، فبعد
الإخبار عن واقعة اعتقاله كمعارض للصلح مع اليهود، تزيد الكاتبة من كشوفاتها عنه، وبزيارة قصيرة
لبيته نعلم انه يمتلك مكتبة كبيرة للدلالة على ثقافته، ولكن الأهم تقنياً أن حمدة ستعثر هناك على دفتر
صغير فتأخذه معها للمنزل لتبدأ حكاية أخرى أوّلها يبدأ بأشعار راديكالية حداثية تعكس خطاب
السبعينيات الشعاري، ومعها تبدأ أسئلتها المبكّرة حول هذا النوع من الكلام والمغزى منه، ولكن لا أحد في
محيطها يمكنه الإجابة عنها، وبالتالي فإن مجيء الخال سيفكّ هذه العقدة، حيث نعرف أن الدفتر لقريبه
راشد تمهيداً لعلاقة ستبدأ للتوّ ما بين الطفلة حمدة وراشد طالب الجامعة، وهي علاقة ستنمو بين الشابين
بالرغم من صغر سنّ حمدة، حيث إن التقاليد الاجتماعية لم تكن تجد إحراجاً في زواج الصغيرات، بل إنها
تحبّذ ذلك، وسيكتشف القارئ أن ثمة اتّفاقاً مبكراً كان قد جرى بين الأمّهات لتزويج الشابين، وهكذا فإنهما
يتّجهان نحو الزواج عبر علاقة حبّ لطيفة، وفي موازاتها يتثاقفان عبر تبادل الكتب وقراءتها، وإن كان لنا
رأي أيضاً بالكتب التي قرأتها حمدة في البدايات عندما لم يكن عمرها يتجاوز السنوات العشر، بل حتّى
في المرحلة اللاحقة، حيث إننا لم نجد كتاباً واحداً يناسب سنّها، سواء من كتب الأطفال أو الشباب
باستثناء كتاب "كليلة ودمنة" الذي مر ذكره مرور الكرام.
وتكشف الحوار الكثيرة بين حمدة وخالها محمد و خطيبها راشد الكثير من أفكارها حول المسألة الاجتماعية
كقضايا الزواج وضرورته لتواصل الأجيال، ولكنه في الوقت نفسه ينبغي ألاّ يقلل من شأن المرأة، وإنما
يعزز حضورها كذات وكإنسانة فاعلة حيث تقول: "المشكلة اليوم إني بنت أبو حمد.. رضيعة حمد
وباجر بصير حرمة راشد، وعقب باجر بصير أم فلان وعلان ومتى بكون انا؟ أنا متى بيكون لاسمي
معنى ومكان؟ متى بيكون عندي الحقّ في إني أختار اللقب اللي يناسبني.."
وإلى ذلك، فإننا في الختام يمكننا التنويه إلى أهمية أطروحات الرواية على صعيد الواقع الاجتماعي والحياة
الجديدة في الإمارات حيث بات بإمكان الشباب تناول قضاياهم بحرية، مما يعني أن ثمة تحوّلاً حقيقياً في
أوساطهم قد تحقق، وفي زمن قياسي، وكنتيجة طبيعية للتحوّلات المدينية التي أنجزتها دولة الإمارات،
وهو أمر جدير بالمتابعة والتحليل.
*كاتبة إماراتية تخصصت في إدارة تقنية المعلومات وتدريسها، وهي عضو الهيئة التدريسية بمجمع
كليات التقنية - إدارة معلومات وحاسوب. تحصَّنت وراء اسم (الغدير العذب) في بداية انطلاقتها،
ثمّ عادت إلى اسمها بعد نجاح روايتها هذه.


