"أدراج الطين" لإسماعيل الرفاعي
سرد سيري يستعيد ذكريات الطفولة الأولى
*عزت عمر
1 دلالات التسمية:
عنوان الرواية يتألف من مفردتين هما: أدراج: ج دُرْج في الغالب، وهو الحيز الخشبي أو المعدني الذي توضع فيه الأشياء، أو أنها الدّرَج: بمعنى الطريق، حيث يقال: رجع فلان أدراجه، أي من حيث جاء، وفي هذا الصدد، فإن أدراج كمفردة بهذا المعنى تُضافُ إلى: الريح أو الرياح أو النسيان وغير ذلك، غير أن الأنسب للتسمية هو الحيّز وذلك وفق ما نقول: من أدراج الصحافة...إلخ
أما الطين، فهو المادة الترابية اللزجة الناجمة عن الخلط بالماء، ثمّ تجفف تحت الشمس أو داخل أفران متخصصة لاستخدامه في مجالات شتّى، وخصوصاً البناء، وقد اشتُهر الريف الشرقي والشمالي في سوريا ببناء منازله من هذه المادة.
وبالإضافة إلى البناء، فإن الأقدمين، ونعني بهم سكان وادي الفرات القدماء من مثل مملكة ماري القريبة من مسقط رأس الكاتب، وغيرها من الممالك الفراتية، دوّنوا رسائلهم وحساباتهم وأدعيتهم وصلواتهم وكلّ ما يتّصل بحياة الإنسان اليومية على ألواح طينية بواسطة قلم معدني يشبه المسمار، ومنه جاءت التسمية المعاصرة: الكتابة المسمارية.
وإذا كان الفراعنة كتبوا الهيروغليفية على جدران المعابد الصخرية، فإن الحضارات الرافيدينية جميعاً استخدمت ألواح الطين بأحجام مختلفة، ثمّ جمعوها في مكان محدد كما تُجمع اليوم الكتب في المكتبة، وقد حفظت هذه الألواح تراث المنطقة وطرائق عيشها قبل نحو أربعة آلاف عام، وبالإضافة إلى كونه حيّز كتابي، فإن الطين كما أشارت الأساطير له خصوصيته الدينية لدى الناس باعتبار أن البشر خُلقوا منه.
ومن هنا، فإننا نعتقد أن تسمية "أدراج الطين" كانت موفّقة باعتبار أنها ترتبط دلالياً بالمنطقة وتراثها المعرفي، هذا إلى جانب الدلالات الإضافية لمفردة "الطين" المعززة لسيرة الخير والخيرات، وسيرة التحضّر والحضارة التي ورثها ابن المنطقة وما زال معتزاً بها.
وإذا كانت ألواح ماري قد باحت بمكنوناتها لنا، ترى ما الذي يمكن أن تبوح به رُقم إسماعيل رفاعي التي موضعها بعناية في أدراجه الثلاثة؟
2 المغزى الروائي.
ما بين الطفولة الأولى واغترابه الحالي يعمل السارد بجهد واضح على ملء هذه المساحة الزمنية سردياً، حيث تبدأ الأحداث بفقرة يخبر فيها قارئه بموت الأم، وما يشكّله هذا الموت من خسارة كبيرة على صعيده الشخصي والروحي، باعتبارها حاضنة ومركزاً مرجعياً يستمد السارد منه مشروعية وجوده. مما يدفع به لبثّ قلقه الوجودي منذ هذه اللحظة بالعودة إلى ذلك الزمان، ليستعيد بعضاً مما تركه هناك، وما عاد من الممكن استعادته إلى من خلال الذكرى:
"سيفعل بك الموت ما فعلته بك الحياة.. سيتفسّخ جسدك شيئاً فشيئاً، وسيلتهمك الدود الذي خزّنته طوال تلك السنين.. وأية أشباح ستملأ ذاكرتك، حين تغادر حاملاً حقائبك الفارغة ومتاعك البالي؟ وعلام ستعلّق بصرك المطفأ وأنت تمسح بعينيك بيوت الحارة القديمة والعيون التي حملتك بين رموشها.. دون أن تقوى على التلويح لها بيديك المتهالكتين؟"
وكما نلاحظ فإن سيرة الموت والقلق الوجودي سيدفعان إلى فتح بوابة الذكرى المبكرة: موت أيمن وموت العمة فاطمة، وصور العائلة في الطفولة الأولى: أرملتان وخمسة عشر يتيماً، ويعني هذا أيضاً موت الأب تاركاً وراءه كلّ هذا الكم للأقدار، إذ ليس ثمة مؤسسات أهلية أو رسمية ترعاهم وتؤمن مصادر عيشهم، ومن هنا فإن الأمومة سيكون لها حضورها الفاعل في النصّ السردي، وإلى ذلك ستتماهى هذه الأمومة بالطبيعة: نهر الفرات الذي بهديره المتواصل ومواظبة تدفقه، سيدفع إلى المزيد من الصور المؤسسة للفضاء الروائي على شكل لقطات تتجاور ولاتنتمي إلى زمن واحد، إذ إن بعضها يأتي من أيام الطفولة، وبعضها الآخر من خلال زيارة للسارد بعد نحو ثلاثين عاماً من الغياب. وغالباً ما درس علم النفس ظاهرة العودة إلى الطفولة، وأرجعها في كثير من الحالات إلى معاناة المبدع في واقعه، إذ إنه في الغالب يسعى إلى تغييره وفق تصوراته وقيمه الأخلاقية والفكرية، ولكنه إلى ذلك يصطدم دائماً بحائط السلبية القاسي، فيصعب عليه التأقلم معه، ويصعب عليه أكثر الامتثال لاشتراطاته، فيتّجه نحو الحلم والتأمل، ومن التأمل إلى الكتابة، خلاصاً لهذه الروح المتعبة سعياً إلى سعادة مفتقدة ربّما تجلبها الكتابة، وعلى نحو خاص كتابة الذكريات، وهو ما أسماه باشلار ب"التأملات الشاردة التي يصبح كلّ شيء بفضلها جميلاً.. إنها مهنة الحالم، وانفتاح على عالم جميل.. على عوالم جميلة يسعد بها الحالم." وفي هذا الصدد يثار السؤال عن غاية الكتابة، إن كانت هروباً جميلاً على طريقة الرومانسيين سعياً لخلاص ذاتي من واقع ضاغط، أم هو قراءة فكرية للواقع الاجتماعي في زمنين مختلفين لتبيان مآلات الحداثة والتحديث على صعيد الذات والروح الإنسانية، وأخيراً هل يعمل المبدع على رصد هذا الواقع بتفاصيله؟ أم يعمل على تخيله آن الكتابة؟ بمعنى أن عملية التخييل بحد ذاتها "تجعلنا نخلق ما نرى" بتعبير الشاعر شيلي.
الموضوع إشكالي وشائك، إلاّ أنه حاضر في الشعر والسرد بقوّة، وعلى نحو خاص العودة إلى الطفولة والحاضنة الأولى، حيث الولادة واكتشاف العالم للمرة الأولى، حيث تنطبع الصور الأولى في ذاكرة الطفل، فتغدو براقة ومحببة بالرغم من مأساويتها، حيث اليتم والفقر والبحث المضني عن إمكانية تدبير سبل العيش لهذا الكم من الأيتام، وبالرغم من حالات العنف التي يستعرضها الكاتب بين طيات سرده، فيبدو أنه سعيد بهذه الاستعادة بالرغم من أحزانها، ربّما لأن الواقع الذي يعيشه الآن أقسى وأمر، إذ غالباً ما يخاطب ذاته بجمل وعبارات تشي بذلك: "تنقذف وأنت في دوّامة من الفراغ والسأم، محاولاً صياغة نفسك بين علب الألوان وأكداس الورق الفارغة.."، "وذلك المجهول يحفر بفأسه قبرك الذي ستنزلق إليه ذات يوم.."، "لعلك تفلت من ثقل الزمن الذي يجثم على صدرك، أو لعلك تستعيد الشعور بالحياة عبر سيرة تعيد سردك بحروف تنفض عنها غبار السنين.."، ما الذي تحدق به؟ في أي الوجوه الغائبة تتفرّس؟ وبأي حجر سترتطم هذه المرة؟ لن تفكّ أغلالك هذه الأصوات الضاجة داخلك ولن تنجح حكايا أم محمد المستعادة بحملك مرة أخرى إلى سلاّت الزبيب غير أنها خيوط حياتك المتشابكة تنسلّ عنوة مشبعة بروح الطفولة.. غير أنها حكايتك تنثر ظلالها هنا وهناك.. لعلك تقبض على جمرة الرماد الأخيرة قبل أن يذوي ما تبقى من أيامك في تقويم العمر.."
وكما نلاحظ من هذه المجتزآت من النص السردي، أن ماذهبنا إليه أعلاه حول "القلق الوجودي" سوف يدفع بالكاتب دوماً للعودة إلى ملاعب الطفولة والصور والحكايات والأساطير الأولى، نظراً لأن الطفولة تظلّ حية وكامنة في الروح الإنسانية بحسب باشلار، وإلى ذلك ربّما ترتبط بالحرية وعدم الشعور بالمسؤولية بينما نحن مزدحمون بها في حياتنا الراهنة: "إن ثمة طفولة كامنة موجودة فينا، وحين نذهب لإيجادها في تأملاتنا الشاردة، نعيشها ثانية في إمكانياتها. نحلم بما كان ممكناً أن يكون، نحلم بحدود التاريخ والخرافة، لكي نلتقط ذكريات وحداتنا، نمثلنُ العوالم التي كنّا فيها أطفالاً وحيدين مستوحدين. إنها إذاً مسألة علم نفس وضعي، مشكلة إيصال المثلنة الواقعية جداً لذكريات الطفولة وكذلك الإفادة الشخصية التي نحصل عليها من كلّ ذكريات الطفولة. وهكذا يحصل الاتصال بين شاعر الطفولة وقارئه بواسطة الطفولة التي تدوم فينا. إن هذه الطفولة تبقى فينا كانفتاح ودّ وائتناس على الحياة، إنها تسمح لنا فهم وحبّ الأطفال كما لو كنا متساوين معهم في الحياة الأولى."
ومن هنا فإننا في رواية "أدراج الطين سنتابع طفولة السارد وطفولتنا في الوقت نفسه، طفولتنا التي كتبها غيرنا، ولكننا نسعد بها لأنها تعيدنا إلى تلك اللحظات القصية في الذاكرة لنستعيد صوراً ووجوهاً وحكايات، لنستعيد ذلك اللهو السعيد والحرية التي افتقدناها منذ أن خطونا نحو سن الشباب، لنواجه موضوعية العالم الباردة، والمتطلبات التي تزداد كلّما تقدّم بنا العمر، فتبقى تلك اللحظات بالرغم من كل أحزانها ينبوع السعادة الأساسي.
3 في بنائية النص السردي.
يتألف النص من ثلاثة أقسام هي: أدراج الطفولة، أدراج دمشق، وأدراج السماء، ويحتل القسم الأول من الرواية وهو المعني بالطفولة القسم الأكبر من الرواية، وهو القسم الذي ركّزنا عليه في دراستنا، باعتباره يرتبط مع القسم الثالث بنائياً ووجدانياً، ويمنحان الرواية روائيتها، أما القسم الثاني فهو تفصيل سيري يضيء جانباً إضافياً من حياة سارد الحكاية ومؤلّفها.
وإلى ذلك، ينهض نصّ "أدراج الطين" على سارد يخاطب ذاته بضمير المتكلّم (أنت)، وكأن ثمة شخصيتين حاضرتين في المتن، وهو أسلوب نادر في الكتابة الروائية، واعتماده على هذا النحو يترك مساحة أكبر للسارد ويمكّنه، في الوقت نفسه، من السيطرة على العملية السردية، وتوجيهها على النحو الذي يريد، غير أن هذا النمط الأسلوبي يطغى على الشخصيات الأخرى، ولا يمنحها فرصة للتعبير عن نفسها، فيبقى حضورها هامشياً يخضع لمشيئة السارد المهيمن، الذي صال وجال في مرابع الطفولة والشباب وما بين الحاضر والماضي، غير أن اعتماده بنية التقطيع المشهدي، الذي يشبه إلى حدّ ما لقطات فيديو حية للحاضنة الأساسية التي خرج من رحمها، ساعد على بناء فضائه وذلك وفق الخلاصات الآتية:
آ ـ المدينة والمنزل، باعتبارهما حاضنتين، سيعمل على إضاءتهما باستمرار وبذات الطريقة البنائية للكشف عن جوانبهما المختلفة، ومن ذلك وصف المنزل وحياته اليومية، ثمّ وصف الطبيعة المحيطة بالمدينة بما في ذلك نهر الفرات، ليستعرض الكثير من الحكايات التي تغذي النصّ بشيء من السحرية الشاعرية، "كانت المدينة تغرب مع الشمس، وتدخل في سكينة معتمة، وهي تحرس نبضها بأضواء القناديل التي يحملها الناس في تعليلاتهم.. ولم يكن شيء يدلّ على وجود المدينة سوى الأضواء المرتعشة التي تطوف في حاراتها.."
ب ـ نهر الفرات كمركز يرتبط به السكان اقتصادياً واجتماعياً، فتكثر على ضفافه الحكايات حتى إنه ليكاد أن يكون شخصية أساسية لايقل حضوراً عن السارد المهيمن نفسه: الحارة بجنّها وأنسها، والفرات بغيضه وفيضه، "حويجة منّاع"، عبارة الحاج أغبين تشق النهر، أشجار الغرب، الزيزفون، طريق النهر المعبّد بالعطر ودم التوت.. وتلك الجلبة المشيعة بالنداوة والألفة..
ج ـ الشخصيات تستدعى على حين غرّة في مختلف مراحل الرواية، ثمّ تمرّ مروراً سريعاً، وكلّ مع حكاياته، وعلى شكل ومضات خاطفة تتراصف وتتجمع مع إضاءاته المكانية قرب بعضها لتكوّن لوحة بانورامية: "ابنة النجار التي كانت تهجم على الأطفال محاولة خنقهم توفيت، وعامر أصغر أولاد الخبّاز قتل في ليلة عرسه بفأس هشّم رأسه تماماً.. ونجاة ابنة الحلواني وهي تقف عارية.. في تلك الأيام كان اكتشاف الأصابع والعيون وتعلّم السباحة وإغواء الجارات...
غير أن بعض الشخصيات لديه قد تأخذ حيّزاً سردياً أكبر، كشخصية الأم الحاضرة دائماً، غير أن بعضها الآخر يأخذ بعداً عجائبياً كما في حكاية الفتاة (نصرة) التي وجدت جثّتها طافية في النهر، وحكاية (نصرة) هذه أشبه بحكاية روميو وجوليت من حيث بنيتها الدرامية ونهايتها المأساوية، حيث إنها تحبّ شاباً، وهو يحبّها، ولكن حكاية الحبّ سرعان ما تكتشف، فتغلق عليهما الأبواب والمنافذ، ولم يتمكّن الشاب من إقناع أهله بخطبتها، فانتهى به الأمر إلى جرعة من السمّ القاتلة، وهي بدورها لم تستطع "التصديق بأن صوت النواح المرير وأصداء الندب الداوية كانت بكاء على جثة حبيبها المسجّى في سريره قرب وردتين لم تذبلا بعد، فانتهت إلى نهر الفرات." والمفارق في هذه الحكاية أن الناس سيؤسطرون هذا الموت الفجائعي باستعادة (نصرة) كحورية نهر "تنسل إلى المدينة عبر أغصان الليل تاركة على نوافذ العشاق زنابق الماء."
والبناء السردي في مثل هذه الحال مشروع، لأنه سوف يستمد جماليته من تجاور هذه المشهديات سواء في شكلها المستقل أو في تتبّعها للحدث الذي ستفعّله باستمرار لغة شاعرية لها إيقاعاتها المحببة وجمالياتها البصرية تتفاعلان لإنتاج حالة سردية لها خصوصية البوح والتداعي إلى حيث ملاعب الطفولة الأولى وبراءتها وعفويتها وشقاوتها والمعروفة في كلّ ريف مماثل، إلاّ أن هذه الحكايات تصبح مهمّة بكتابتها على الورق وبذات اللغة والمشهديات المعبّرة عن مقدرة الفنان في رصفها عشوائياً لتقدّم في النهاية تجاوراً بصرياً يمتع القارئ ويشركه رؤيته الجمالية لهذا العالم البسيط والمعقّد في آن.
ينظر ص 15 من كتابه "شاعرية أحلام اليقظة/علم شاعرية التأملات الشاردة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1991
أورده باشلار في الدراسة ذاتها.
*أدراج الطين، الرواية الحائزة على المركز الثاني في مسابقة جائزة الشارقة للإبداع دورة 2005. منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2006.
** إسماعيل رفاعي، فنان تشكيلي وقاص وروائي وشاعر سوري مقيم في الإمارات، بكالوريوس فنون جميلة – جامعة دمشق، منسق الإعلام العربي لبينالي الشارقة عضو نقابة الفنون الجميلة / سوريا، عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية شارك في معارض كثيرة داخل الدولة وخارجها، وفاز بعدد من الجوائز في مجال الفن التشكيلي، أما على صعيد القصّة فقد فاز بجائزة "غانم غباش"، وصدر له، وعد على شفة مغلقة – شعر، دمشق، 2002.


