عزت عمر و هاجس الشعراء الإنساني
بقلم الشاعر علي سفر*
"استعادة المشترك الإنساني" ضمن النص الشعري السوري و العربي عنوان أساسي شكّل هاجساً
ألح على تفكير الصديق الناقد و القاص السوري عزت عمر الذي يعيش و يعمل في
دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات طويلة، و بينما تغرق الكتابة النقدية المهمة هذه الأيام في
البحث ضمن شعرية الشعر أي بناه الشكلية مستبطنة دواخله و مكتفية بالربط و المقارنة مع ما سبق من التجربة الخاصة بكل شاعر ..!
يتفرد عزت في كتابه الجديد" استعادة المشترك الإنساني ، رؤية في القصيدة الجديدة " بإتباع نهج
مختلف يربط فيه بين ما يريد الشعراء قوله و بين مصادرهم الإنسانية معرفياً و فلسفياً و شعرياً طارحاً
سؤالاً صعباً يقول فيه: هل نجح الشعراء الجدد في قول ما يريدون؟
و هل وفقت قصيدتهم من حيث الخطاب في الدفع نحو إنسانية الإنسان و التفكير بعالمٍ خالٍ من الحروب
و القهر و الظلم ؟
تذهب القراءة في هذا الكتاب بعيداً في التمحيص و البحث في تجارب تسع عشرة شاعراً عربياً اقتربوا
في كتابتهم من التفرد أو قيل أنهم يقدمون جديداً من نوعٍ ما ، و قد بدا لافتاً في اختيارات عزت عمر
لهؤلاء أنه لم يختر الاسم بحسب تكريسه و اعتراف الحالة الثقافية العربية بتجربته فهنا يتساوق الحديث
عن محمد الماغوط و محمود درويش مع الحديث عن شعراء شباب نجحوا في العمل على لغتهم الخاصة
و ليضعوا نصوصاً مختلفة أو على الأقل لا تعاني من التشابه مع السائد، وضمن المعيارية التي يشتغل
الكاتب عليها هنا يصبح من المهم الالتفات إلى ما يجمع بين نص الماغوط و بين نص درويش
و بين نص أخر للشاعر السوري حسين درويش ..!
يشتمل بحث عزت عمر هنا على ثيمات أساسية يراها مهمة على الصعيد الإنساني و يسميها على
الشكل التالي: باب أول في " تقويض فاعليات الذكورة ، العودة إلى لغة المشترك الإنساني "
و باب ثانٍ في " الذين أضاعوا مشترك المكان ، فلسفة التعبير عن المشاعر الإنسانية" و في هذا
الباب تحديداً يترك الكاتب مساحةً كبيرةً للتجارب الجديدة الممحصة كي توصل خطابها للقارئ الذي
قد يستفزه اختلافها و لكنه و بالتأكيد و بعد أن يرى البؤر التي يشير إليها عزت عمر سيدرك أنها
تجارب مهجوسة بذاتها و بصورة العالم كما تراءى في مرايا هذه الذات ، و ليصبح تقدير قيمة التجربة
مرتبطاً باحتداد صراع الخطاب مع الممكنات اللغوية و التعبيرية للوصول إلى بنائية متماسكة
و عالية المستوى للغة الشعرية ..!
يجول الكشاف الشعري في هذا الكتاب في نصوص شعراء من عدة أقطار عربية و هم : محمود درويش
من فلسطين ، محمد الماغوط و مياسة دع و لينا الطيبي و جاكلين سلام و فرات إسبر و حسين درويش
و زياد عبد الله و خلف علي الخلف و العبد الفقير من سورية، و إبراهيم الملا و خالد البدور
و ثاني السويدي و هاشم المعلم من الإمارات ، و حمدة خميس من البحرين و عبده وازن من لبنان
و علي جعفر العلاق من العراق ، و إبراهيم المصري و نبيل أبو زرقتين من مصر.
تجربة عزت عمر في كتابه هذا ملفتة و مختلفة و على الأقل هي محاولة لكسر الجمود الذي ي
عتري التأليف النقدي الشعري العربي الذي أمسى متأخراً كثيراً عن اللحاق بركب الشعراء الشباب
الذين يجولون في عوالم جديدة و بلغة مختلفة تستحق حقاً أن تتوقف عندها أقلام النقاد ..
*استعادة المشترك الإنساني، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2008.


