"شاهندة" لراشد عبد الله
رواية رائدة إماراتياً
*عزت عمر
تقديم
يلعب البحر دوراً مهماً في أدب القصّة والرواية الإماراتي، نظراً لأن حياة السكّان ارتبطت به في مرحلة ماقبل النفط كلّياً، من حيث الصيد والغوص على اللؤلؤ بالإضافة إلى التجارة البحرية التي اشتهر بها بعض التجار مع الدول المجاورة والهند وغيرها. وقد عكس هذا الأدب جانباً كبيراً من معاناة المجتمع إبّان تلك الفترة من أولئك الربابنة والتجار الذين مارسوا شتّى أنواع القهر تجاه الغواصين والصيادين البسطاء، لكي يزيدوا من ثرواتهم، إلى درجة أن كثيراً من الباحثين اعتبر هذه المرحلة أقرب إلى العبودية منها إلى العمالة المستقلة المعروفة في النظم الاقتصادية المتطوّرة.
ومع اكتشاف البترول وولادة الدولة الحديثة وبدء عملية التنمية شهد مجتمع دولة الإمارات تحوّلاً كبيراً في حياته الاقتصادية والثقافية على السواء، وقد انعكس هذا التحوّل على الأدب ومن هؤلاء الأدباء الذين كان لهم قصب السبق في الإنتاج الروائي راشد عبد الله النعيمي وزير الخارجية الأسبق بعد تأسيس دولة الاتحاد عام 1970، الذي كان من أوائل الطلاب الدارسين في الخارج، فكتب روايته الأولى والأخيرة "شاهندة" خلال مرحلة دراسته في القاهرة ونشر طبعتها الأولى عام 1974، والثانية في عام 1976 عن المركز العربي للصحافة في القاهرة، متأثراً بلاشكّ بفضاء الثقافة التحررية الذي كان مشعّاً وقتها، وبرغبة أكيدة منه في تجاوز قيم الماضي المتخلّفة نحو فضاء الدولة المدنية المتّسم بالحرية والعدالة، بدليل أنه في الإهداء الذي قدّمه لرئيس الدولة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قال إن "قصّتي هذه تنبع من واقع عشناه، بين حبّات الرمل المحترقة في حياة جافة قاسية أكتبها لهذا الجيل الذي يبني بقوّة سواعده بلداً عظيماً... قصّتي هذه اقتبستها من روح الرجل المناضل الذي غيّر الحياة على ضفاف الخليج بقوّة إيمانه ومضاء عزيمته، والذي أراد أن يبدّل حياة الناس من شقاء إلى رخاء فكان له ما أراد.."
المغزى الروائي
سعى الكاتب في هذه الرواية إلى تعزيز رؤيته التحررية عبر إدانته لنمط علاقات الإنتاج الذي كان سائداً في تلك المرحلة الزمنية، وذلك من خلال كشفه لجوانب من الحياة الاجتماعية المرتهنة لنظام اقتصادي جائر قائم على العبودية واستغلال الرقيق والاتجار بالبشر من جهة، والرغبة العارمة لدى الشخصيات للخلاص من هذا الواقع. وكان الروائي في تلك المرحلة المبكّرة من حياة الدولة الجديدة يدرك أن هذا النظام الاقتصادي سيذهب بلا رجعة في ظلّ وجود الدولة الحديثة وبوجود اقتصادها المنظّم الحديث الذي ينفتح على اقتصاديات العالم المتطوّرة، والقائمة من حيث الأساس على مبدأ الحرية الفردية. وبذلك فإن شهداد "العبد" سوف يتحرر من عبوديته في ظلّ الاحتياج إليه كربّان جديد يتّسم بالطيبة على العكس من الربان القديم المستبد والظالم "علي"، مؤكّداً بذلك أهمية الخلاص من علاقات العمل القديمة وجورها، نحو نظام جديد قائم على المساواة، بينما من جانب المرأة، فإن قارئ الرواية سيتابع بشغف "شاهندة" الفتاة التي اختارها من بيئة غريبة، درءاً للحساسيات والقيم العربية المعروفة في مجتمعه، ليقدّمها كنموذج للمرأة الرافضة للنظام العبودي الجائر، وسنلتمس رغبتها في الخلاص منه، والتحرر من أشكاله الذكورية المتخلّفة منذ بدايات الرواية.
تقنيات الرواية
تنهض حكاية الرواية على راو مفارق لمرويه يقدّم للأحداث وفق منهجية حكائية متأثرة بعوالم الحكاية الشعبية وعوالم "ألف ليلة وليلة" بتقنياتها وأطرها الحكائية المعروفة ومصادفاتها غير المقنعة على نحو ما، حيث يروي لنا في القسم الأول من الرواية قصّة عائلة مهاجرة تتألّف من فتاة جميلة اسمها "شاهنده" تقع مع أسرتها المكوّنة من والدها "شهداد" ووالدتها "حليمة" في قبضة سالم الذي كان يعيش حالة من الفقر مزرية، حيث أضناه الجوع وعائلته وكذلك أبناء طبقته، فراح يبحث عن أي مصدر للمال حتى ولو كان يأتي من سرقة أكفان الموتى، وهاهي المصادفة تأتيه على طبق من الذهب في وصول هذه الأسرة المهاجرة من الطرف الآخر من الخليج بحثاً عن الرزق، بعد أن نجت من الموت بأعجوبة إثر تحطّم الزورق الذي كان يقلّها في عرض البحر، فيستضيفها بضعة أيام في بيته بعد أن يستدين شيئاً من المال على أمل بيعها في سوق النخاسة، ولكن الصدف ستدفع لبيعها إلى التاجر حسين من قرية الحيرة الذي تبدو عليه آثار النعمة والثراء، فتتخلّص الأسرة مبدئياً من عناء العيش المذلّ نظراً لأن سلمى زوجة التاجر تمتاز بإحساس أمومي عال نتيجة لعدم إنجابها مسجلة بذلك موقفة أخلاقياً وقيمياً يعبّر عن سلوك أصيل فتقول لهم: "أنتم هنا لستم عبيداً، أنا أعتبركم أفراد أسرة لي.."
ومن بيت التاجر حسين وفي فضاء القرية البسيط سوف تبدأ الأحداث بالتطوّر من خلال جملة من الإضاءات التي قدّمها الراوي عن طريق الفلاش باك، أو عن طريق فتح أطر حكائية تتناول ما استجد من حياة الأسرة في بيت التاجر والقرية، ويمكننا إيجازها وفقاً للمحاور التالية:
أوّلاً: سيعرض جانباً من حياة مجتمع الحيرة في ذلك الزمان حيث ينقسم المجتمع إلى طبقتين إحداهما فقيرة بائسة كحال سالم والصيادين الآخرين، والثانية من التجار الذين يصفهم على النحو الآتي: "في الحيرة لا قيمة لأي رجل إلاّ إذا كان تاجراً، حتى ولو كان تاجر ملح. إنهم يتاجرون حتى بالإنسان، في الحيرة لا قيمة للعلم حتى ولو كان يخدم التجارة نفسها.. ومن هؤلاء التجار سوف يقدّم لنا التاجر حسين وأسرته والنظام الاقتصادي الذي يتّبعه لكسب المال.
ثانياً: محور شهداد الذي كان عبداً ومن ثمّ يتحوّل إلى نوخذا لمركب التاجر حسين، وخلال ذلك سيتابع القارئ كثيراً من الآراء حول العبودية والقيم المجتمعية الرافضة لمنح العبد حريته، إلاّ أن التاجر حسين سينفرد بموقفه ويرغم الجميع على القبول بشهداد رباناً لسفينته، لأن الربان السابق كان يظلم البحارة ويسرق ماله، وهكذا يبحر شهداد للمرة الأولى في رحلة تستغرق شهوراً.
ثالثاً: محور شاهنده، وهو المحور الأهم روائياً، حيث تتركّز عليها الأحداث منذ لحظة غياب والدها، فتبتعد أجواء "ألف ليلة وليلة" الغرائبية ونعيش لحظات سردية على طريقة الرواية التقليدية فيها الكثير من التألّق.
رابعاً: محور صراع القيم بين القديم والجديد، ويتمثّل في رفض عائلة شهداد للعبودية، وفي موقف التاجر حسين حيث نسمع أحدهم يناديه ب "يا محرر العبيد" ساخراً وليس مادحاً، وفي موقف محمود ابن سالم كممثل للجيل الجديد، وذلك عندما يقول لأمه: إن والده سالم هو الذي جعل من شهداد وأسرته عبيداً بينما هم أحرار، وهو موقف يتّسق مع موقف زوجة التاجر حسين، وكذلك في تطلّع شباب القرية إلى شاهنده كفتاة أحلام تتميز بالتحرر والجرأة مما يعكس رغبة في الخلاص من التقاليد الضاغطة. بالإضافة إلى ما استجد من موقف البحّارة من النوخذا السابق وموافقتهم على شهداد كربان لهم مما يعكس تطلّعهم للخلاص من الماضي الجائر، ويعكس في الوقت نفسه شكلاً من أشكال الديموقراطية البسيطة. وتتداخل هذه المحاور مع بعضها البعض من خلال التقنيات العديدة التي يجترحها الروائي سواء من حيث عرض الحكاية، أو الكشف عن ماضي الشخصيات، واللحظات الصراعية الواقعية بين المحافظين والمجددين.
تحوّلات شاهنده من الوعي إلى الوعي المضاد.
بعيد سفر والدها، سوف تخرج شاهنده للمرة الأولى وفي داخلها شعور أنثويّ بالتفوّق، فهي كأنثى تدرك ما لديها من أوراق رابحة قادرة على الإطاحة بقلوب الشباب الذين كانوا يحلمون بها، ومنهم محمود ابن سالم، ولكنها إلى ذلك تكرهه لأنه ابن سالم الذي حطّم أحلام أسرتها، فكانت تنظر إليهم نظرة عدم اكتراث وتعود إلى البيت سعيدة بما فعلته، وإلى ذلك سوف يكشف لنا السارد عن جانب إنساني كامن فيها، ويتجلّى في حبّها الصامت لمحمود الذي جذبها بلطافته وصدق عواطفه، ولكن الأحداث ستدخل في طور من التعقيد، لدى تقدّم أحد الرجال الأثرياء لخطبتها، ولكن شاهنده سوف ترفضه غير آبهة لما سيقوله عنها مجتمع الحيرة التقليدي، وخصوصاً التاجر حسين ربيبها الذي صعق لموقفها فقال لها:
"ماذا بك.. أترفضين أعظم شاب في القرية.. المفروض أن تفرحي.. لقد اتفقنا أن يدفع لك مهراً كبيراً، سيدفع لك مئة وخمسين روبية مقدماً، وخمسين مؤخراً، وهذا المهر لم يدفع من قبل لفتاة في القرية.. سيقدّم لك قلادة من الذهب الخالص، وسيشتري ملابس هندية.. وسوف يبني لك بيتاً مستقلاً.
ـ عمّي، ولماذا لم تنتظر والدي حتى يعود وتسأله؟
ـ إيه.. والدك سيسعد بذلك.. أنا أعلم ذلك.. إن ماسوف يقدّمه هذا الشاب لم يقدّم لفتاة من قبل.
ـ عمّي، إنك تتحدّث عن أمور ليست هي ما أريدها، فأنا أريد زواجاً ولا أريد هذه الأشياء.
ـ وماهو العيب فيه كزوج؟
ـ لاشيء، وبكلّ صراحة أنا لن أتزوج إلاّ إذا أحببت من تقدّم لي..
ـ يا فاجرة.. يا فاجرة، أنت تردين عليّ!
ـ عمّي أنا لا أملك إلاّ مالاً، ولكنني أملك جسدي ونفسي، ولن أعطيهما إلاّ لمن أحبّ.. وأنا لا أحبّ هذا الشاب..." .
ويعكس هذا الحوار موقف الكاتب من الزواج التقليدي القائم على تزويج الفتاة لمن يتقدّم إليها، ليعزز بذلك قيمة الحبّ كمعطى إنساني مهم من خلال موقف "شاهنده" الرافض، بل المتمرّد على هذه التقاليد بالرغم من معرفتها لما ستعانيه من هذا الموقف.
ومن خلال الحوار بين التاجر حسين والخطيب ووالده سيكشف الكاتب عن جملة من التقاليد التي كان يخضع لها النظام الاجتماعي في الحيرة، فقد كان من غير الطبيعي أن ترفض فتاة "عبدة" زوجاً حراً، وأن التقدّم لخطبتها كان بمثابة التكريم لها، وأن بنات الحيرة كنّ يتزوجن وهنّ في الحادية عشرة من العمر، وان الحبّ بين شاب وفتاة كان محرّماً.
ولكنها "شاهنده" على أية حال، استوطنها مبدأ الرفض القاتل، حيث إنها سوف تقدم على خطوة مثيرة وكأنها في سباق مع الموت ذاته، فتتّجه إلى بيت محمود، لتنطلق معه إلى مكان خال وتعطيه أعز ما تملكه الفتاة بكلّ حبّ، ودونما خوف من أحد، لتنفجر الأحداث فيما بعد بينها وبين التاجر حسين، ولكن محمودها سوف يخذلها في النهاية لأنه لا يستطيع أن يقدم على اختراق جدار القيم الذي تحصّن به الحيرة نفسها، بينما ذهب وفد من أهل القرية إلى التاجر حسين "يناقشون المرض الذي انتشر في القرية واسمه شاهنده، وطلبوا منه أن يبعدها عن القرية فهي خطر على الرجال والشباب.. فقرر حسين أن يتّخذ أصعب قرار في حياته.. هو أن يبيع شاهنده" (84/85).
في هذا القسم من الرواية سيأخذ السرد بعداً واقعياً نفسياً، وسيكشف لنا عن جوانية شاهنده الرافضة والشخصيات القريبة منها، ولكن القارئ قد يتساءل عن المغزى المراد إيصاله لردّة فعل شاهنده غير الطبيعية، إذ يندر في ذلك الزمان أن تقدم فتاة على مثل هذا السلوك إلاّ إذا كان ثمة مقصدية فنية أو فكرية يسعى الكاتب لتأكيدها، وهو سؤال مشروع، سيما وأن القارئ بدأ يتعاطف معها ومع أسرتها في هذه المحنة التي وضعوا فيها.
وتبريرنا للأمر، أن شاهنده كانت تدرك وبوعي نادر أنها تقف بين موتين: العبودية، أو الزواج ممن لاتحبّ، وبالتالي فإنها اختارت ما اختارته بعزم وتصميم انتظاراً من الحبيب والشريك أن يتخطّى بدوره حاجز القيم، ويتزوج بها، ولكنه مع الأسف، لم يكن يمتلك الوعي الكافي لإنقاذ حبيبته، وستصفه شاهنده بالجبان والنذل الحقير الذي لم يرى فيها سوى غانية لعوب قد تذهب مع غيره طالما ذهبت معه.
ومن جانب ثان، بنائية الرواية، إذ رأى المؤلّف أن توقّف الأحداث عند هذا الحدّ قد يؤثّر على عمله، إذ ليس الهدف من الرواية هو كتابة قصّة حبّ ذات نكهة تراجيدية على غرار قيس وليلى، أو روميو وجولييت، وبالتالي دفع ببطلته نحو أفق جديد، ليواظب على الكشف من خلال الصراع بينها وبين المحيط الذكوري، من خلال الحوارات والمونولوجات التي عمل على ترتيبها خدمة للحدث المتصاعد والمتأزّم، الذي سينضاف إليه تحطّم سفينة الغوص وغرق شهداد وإفلاس التاجر حسين، حتى لحظة بيع شاهنده.
لتتجه الأحداث وجهة جديدة، بإصرار من الكاتب في تطويل الحكاية، وذلك من خلال العودة إلى عوالم الحكاية العجيبة، حيث يتتبع القارئ مصير شاهنده في الصحراء، فتقودها الصدف من يدّ إلى أخرى، والرغبة في الانتقام تملؤها، ولكن هذا الانتقام لا يتمّ إلاّ عن طريق عرض جسدها على كلّ من تعرف ولا تعرف، حيث تتناقلها الأيدي على شكل حكايات إطارية صغيرة ترصد حياتها وأحلامها وعذاباتها، لتنتهي بها الأحداث للزواج من ملك البلاد فتعمل على الانتقام من محمود حبيبها القديم، وبالتالي فإن كلّ لحظات الوعي والرفض والتحدي التي تحدثنا عنها، ستنهار لتبدو لنا في النهاية امرأة مستلبة ومستسلمة كلّياً لقدرها.
ويجدر في الختام التنويه إلى أن هذه الرواية كتبت في مرحلة مبكّرة من حياة الكاتب، وشأنها شأن الروايات الأولى التي تعاني من خلل بنائي، ولكن كان من الممكن أن يتمّ تجاوز هذا الخلل في الروايات اللاحقة لو أن الكاتب واظب على كتابته، إلاّ أن انشغاله في مهام وزارة الخارجية، دفع به إلى هجران عالم الرواية الجميل، فبقيت روايته شاهداً على تلك المرحلة المهمّة من نهوض الأدب الإماراتي.
شاهنده، راشد عبد الله، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ط3، الشارقة، 1998.


