عزت عمر و هاجس الشعراء الإنساني
بقلم الشاعر علي سفر*
"استعادة المشترك الإنساني" ضمن النص الشعري السوري و العربي عنوان أساسي شكّل هاجساً
ألح على تفكير الصديق الناقد و القاص السوري عزت عمر الذي يعيش و يعمل في
دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات طويلة، و بينما تغرق الكتابة النقدية المهمة هذه الأيام في
البحث ضمن شعرية الشعر أي بناه الشكلية مستبطنة دواخله و مكتفية بالربط و المقارنة مع ما سبق من التجربة الخاصة بكل شاعر ..!
يتفرد عزت في كتابه الجديد" استعادة المشترك الإنساني ، رؤية في القصيدة الجديدة " بإتباع نهج
مختلف يربط فيه بين ما يريد الشعراء قوله و بين مصادرهم الإنسانية معرفياً و فلسفياً و شعرياً طارحاً
سؤالاً صعباً يقول فيه: هل نجح الشعراء الجدد في قول ما يريدون؟
"أدراج الطين" لإسماعيل الرفاعي
سرد سيري يستعيد ذكريات الطفولة الأولى
*عزت عمر
1 دلالات التسمية:
عنوان الرواية يتألف من مفردتين هما: أدراج: ج دُرْج في الغالب، وهو الحيز الخشبي أو المعدني الذي توضع فيه الأشياء، أو أنها الدّرَج: بمعنى الطريق، حيث يقال: رجع فلان أدراجه، أي من حيث جاء، وفي هذا الصدد، فإن أدراج كمفردة بهذا المعنى تُضافُ إلى: الريح أو الرياح أو النسيان وغير ذلك، غير أن الأنسب للتسمية هو الحيّز وذلك وفق ما نقول: من أدراج الصحافة...إلخ
أما الطين، فهو المادة الترابية اللزجة الناجمة عن الخلط بالماء، ثمّ تجفف تحت الشمس أو داخل أفران متخصصة لاستخدامه في مجالات شتّى، وخصوصاً البناء، وقد اشتُهر الريف الشرقي والشمالي في سوريا ببناء منازله من هذه المادة.
“سفراء الخيال”.. أصوات شعرية في الإمارات
الشارقة “الخليج”:
صدر مؤخرا عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في الامارات كتاب “سفراء الخيال /
اصوات شعرية في الامارات” من اعداد وتقديم الناقد عزت عمر والكتاب يقدم مجموعة مختلفة ومتنوعة
من تجارب الشعراء السوريين المقيمين في الامارات او الذين اقاموا فيها ثم رحلوا عنها، وبالتالي فان
الهدف من اعدادها بحسب عزت عمر سوف يتكثف في الحضور المكاني لتبيان الفاعلية الثقافية من جانب
والتعريف باولئك الشعراء الذين تركوا بصمات واضحة في الحياة الثقافية الاماراتية سواء من خلال الحضور
الابداعي الادبي او من خلال الحضور العملي ايضا، فضلاً عن التأكيد أيضاً، على وحدة الثقافة العربية بحيث
وجد كل هؤلاء مناخا اخويا مرحبا بهم وبنتاجاتهم.
ومن المهم الاشارة الى ان المساهمات الشعرية التي يتضمنها الكتاب تعكس توجهات الشعر السوري سواء
في شكلها التقليدي او التفعيلي او من خلال قصيدة النثر ، وقد يفاجأ قارىء الكتاب بمستويات عدة من الكتابات
الشابة لشعراء يكتبون نصوصهم الاولى بخبرات وتقنيات حقيقية.
الواقع الجديد يعكس وعياً جديداً
"عيناك يا حمدة" لآمنة المنصوري
*عزت عمر
بمفارقة تحويل الفتاة المولودة إلى صبي ذكر تلبية لرغبة الأب، يذكّرنا هذا العمل برواية الطاهر بن جلّون
"ليلة القدر"، و بقصة قصيرة للكاتب التركي عزيز نسين، اللذين عالجاها كلّ من ناحيته الفكرية وأسلوبه
السردي، حيث إن الرجل الشرقي اعتاد على أن يكنّى بين الرجال باسم أبيه، أو بالاسم الذي سيختاره
لابنه المستقبلي، ولذلك فإنه ينتظر مجيء الصبي كي تتحقق هذه الرغبة، وعندما لا تتحقق، وعلى نحو شاذ،
سيعمد البعض منهم على تزييف حقيقة المولودة وجعلها مولوداً ذكراً ريثما تصحح الأمور من تلقاء نفسها
بولادة أخرى. وهذا ما كان قد فعله آباء الفتيات في الروايات الثلاث، غير آبهين بالطبع بأثر هذا السلوك
على نفسية الفتاة، ومدى فداحة هذه الازدواجية عليها وعلى مستقبلها.
طروس إلى مولاي السلطان
لسارة الجروان
*عزت عمر
المغزى الروائي وارتباطه بالواقع
في هذه الرواية تعود بنا سارة/حصة الجروان إلى زمن مضى وانقضى، برغبة منها في استعادة زمان مازال
يرتبط بالحاضر ويؤثّر فيه، على اعتبار أن العادات والتقاليد التي أنتجها ذلك الزمان يظلّ لها استطالاتُها
في الزمن الجديد، ونعني به زمان الدولة الحديثة، فتعيق هذه الاستطالات الحراك الاجتماعي والثقافي على نحو
ما يراه البعض ضاراً، أو ما يراه آخرون مفيداً، غير أن سارة الجروان كما في أطروحاتها المبكّرة ستؤكّد
لقارئها أن سيرة قمع المرأة واضطهادها تؤلمها كثيراً، فتعمل على تبيان نواتج هذا العنف من خلال فضح
العقلية الذكورية السائدة سواء داخل الأسرة أو في المحيط، متتبعة هذه السيرورة عبر ثلاثة أجيال في أسرة
واحدة مثّلتها رمزياً ثلاث شخصيات يأتي في مقدّمتها: الجد ابن عتيج، ثمّ الأب جمعة ممثلاً للجيل الثاني،
بالإضافة إلى حصّة من الجيل الثالث، وتقوم بدور الساردة "سلطانة" التي تقوم على غرار شهرزاد
بسرد الحكاية على السلطان الذي ظلّ شخصية غامضة ومتعالية لم نعرف عنه شيئاً سوى ما قدّمته الساردة
من عبارات الإطراء والمديح والحبّ على النحو التالي: سيدي ومولاي السلطان، حكي أنه في منطقة
جبلية ذات خصب وينع، حيث الوديان الجارية والأفلاج الباردة، وحيث يرتع الغزلان والوعول البرية..."
جدلية الزمن
في مجموعة "إيقاعات الروح المنسية"
للقاص إياد محفوظ
*عزت عمر
1 الزمن والقيم الذكورية.
يفسح عنوان المجموعة "إيقاعات الروح المنسية" للقاص السوري إياد محفوظ مجالاً للقارئ كي يتساءل عن المغزى المراد إيصاله دلالياً، وعمّا يربط بين مفردات هذه العبارة الغامضة، نظراً لأن الإيقاع معجمياً يدلّ على الانتظام أو التناغم الصوتي، أو التناغم النصّي، فما هو تناغم الروح؟ وما علاقتهما بالنسيان؟ أيريد الكاتب منذ الوهلة الأولى أن يدفع بنا نحو جدل الماضي والحاضر؟ والأسئلة في هذا الصدد كثيرة ومشروعة بطبيعة الحال؟
غير أن الإهداء "إلى كلّ من نسيه الزمن" سرعان ما يعزز لدى القارئ توجّهات القاص البنائية، ولاسيما المقايسة بين زمنين، وما تستدعيه هذه المقايسة من أسلوبية التداعي من لحظة راهنة إلى ماض قريب أو بعيد، يتوقّف عنده ليضيء جانباً يودّ استعادته.
فما الذي يُنسى من هذا الماضي؟ وهل تُنسى الروح فعلاً؟ إذاً ما الذي يستمر فينا ويبقى ملازماً لنا؟ وما مدى حاجتنا لإعادة تلك اللحظات التي نُسيت: أبحثاً عن سعادة إضافية، أو للحظة تنير بعضاً من عتمة نعيشُها، أو تزيحُ بعضاً من قلقٍ أو هواجسَ تشغلنا في لحظتنا الراهنة وتؤرّقُ عيشَنا؟ وبمعنى آخر هل العودة إلى تلك اللحظة المنسية التي ظلّت مشرقة في الذاكرة، تمنحنا فاعلية جديدة لذواتنا الذاهبة إلى ذبول كحال الزوجين الذين مضيا بكلّ أناقة في قصة "عيد الحب" إلى مكان كانا يقصدانه أيام الشباب، كي يستعيدا دفئاً يواصلان به سيرة الحبّ؟
رائحة الزنجبيل لصالحة عبيد غابش..
بعض قضايا المرأة الإماراتية في الزمن الجديد.
*عزت عمر
تقديم
على غرار شخصيات فيرجينيا وولف الخارجات للتوّ من غرفتها نحو العالم، تخرج علياء من فضاء منزلها الضاغط على وجودها إلى الشارع حيث المطر المنهمر بكثافة، في ما يشبه المغامرة غير المفهومة، نظراً لأنه من غير المقبول اجتماعياً أن تخرج امرأة تحت المطر في مجتمع محافظ، وخصوصاً إذا كانت هذه المرأة أستاذة جامعية وسيدة أعمال تدير شركة تجارية كبيرة في الشارقة.
وهذه الرغبة في الخروج إلى الماء سوف تحمل بعداً رمزياً يشير إلى رغبة للخلاص من حياة ثقلت على وجدانها فأنستها نفسها وأنوثتها بعدما أوشكت على الدخول في العقد الرابع من عمرها. وإلى ذلك فإن المشهد الوصفي المتناغم مع الذات المنكسرة للأنوثة سوف يقدّم للقارئ المزيد من الكشف عن حالة القلق والحزن التي تعيشهما علياء، وكأنها بهذا الخروج تريد كشف حقيقة ما يعتمل داخلها من تجاوز للنسق الذي هيمن على حياتها طوال عشرين عاماًَ، وليس غير المطر دلاليا من سيعيدها إلى صفائها: "ثيابها الآن تتشرب بمياه المطر، تتزاحم فيها البهجة والخوف من التجربة والشعور بالطفولة والخجل... أشعر أنني طفلة.."
ديمومة الشعر في تجدّده:
تجربة الشاعر الإماراتي إبراهيم الملاّ.
*عزت عمر
مازلت أجهل لماذا أبطلت العرب عادة الاحتفاء بولادة شاعر جديد، خاصة إذا كانت هذه الولادة بازغة
بإشراق رائع كما "صحراء في السلال" للشاعر الإماراتي إبراهيم الملاّ؟ سيما أنَّ الأمم المعاصرة ما انفكّت
تبحث بدأب وبمال كثير عن فرصة واحدة للاحتفاء بالنجوم التي تشع صدفة في مجال الرياضة أو الغناء
وغير ذلك، رغم أنَّ الشاعر لا يقلّ أهمية عنهم، بل برأينا يزيد عليهم، لأنَّ الشعراء هم ضمير الأمة وسجلها
الزاهر يوم يُنسى كلّ شيء، وها نحن ما زلنا نعتز بتراثنا الشعري والمعرفي الحافل بأسماء ماجدة، في
الوقت الذي نسينا فيه أسماء أبطال رفع الأثقال والمصارعة رماة الرمح والحكام و المؤسسات، بل حتى
المدن التي أنجبتهم، بقي أصحاب الضمير الإنساني والوعي المتجدد الذي أمطر جغرافيتنا العطشى بالحب
والحرية والألق الجميل، فانضافت أعمالهم جميعاً إلى الرصيد الثقافي الوطني والإنساني.
فرات إسبر.. الطبيعة كائن أيضاً:
"مثل الماء لا يمكن كسرها"
*عزت عمر
المرجعية الأسطورية
إذا كانت بعض الشاعرات قد استلهمن موضوعة الإحيائية من الأسطورة، فإن الشاعرة فرات إسبر بدورها ،
سوف تعزز هذا النهج في مجموعتها الأولى "مثل الماء لا يمكن كسرها" حيث ترتكز البنية النصّية
العامة لنصوصها إلى الطبيعة كجسد وروح، وكنموذج أعلى للإنسان وعلاقته بذاته كمخلوق تماهى
بها من جهة، واحتفائها بهذا الخلق من جهة ثانية: الخلق الذي خرج من جسد أنثوي لتصبح الأنوثة
بدورها جسداً كلّياً يتّخذ من الطبيعة ملهماً أعلى، وخصوصاً مع انتشار أفكار أنصار البيئة وتعزيز
المفهوم الإنساني بالربط بين الوعي المستجد وزمن العلاقة الأولى بها؛ عندما كانت الطبيعة جسداً
وروحاً ومخلوقاً كسائر المخلوقات يغضب ويثور حيناً ويهدأ ويستكين حيناً تبعاً للتصوّرات القارة في
الذهنية الطقسية البدائية وما كوّنته من أساطير عنها، وبذلك فإنَّ حضور الطبيعة كان على الدوام
حضوراً أنثوياً دأبه تعميم الخير والخيرات لأولئك الخلق الذين ولدوا من رحمها. وإذا كان أبناء
تيامى قد ذبحوها في مرحلة ما، فإنَّ ذلك ربّما يعد الانقلاب الرمزي الذكوريّ الأوّل عليها وعلى
الطقوس الإحيائية نحو لحظة من العنف تبدّت في الانتقام منها ومن أعوانها.
السلطة والعقاب
في رواية "تلك العتمة الباهرة" لابن جلّون
*عزت عمر
ما أطلق عليه كمصطلح ب "أدب السجون" بات اليوم في المشهد الثقافي العربي يشكّل حضوراً مهماً مع
الثورة الرقمية ودخولها الفاتح مجتمعاتنا، واختراقها وسائل المراقبة وقوانين العقاب، حيث إننا خلال هذه
الفترة الزمنية القصيرة من الألفية الثالثة بات بإمكاننا الإطلاع على الأدب العربي الممنوع، والذي كان
بنظر الأنظمة المستبدة يشكل خطراً ينبغي التصدي له ومنعه، بل قمع كتّابه.
وتأتي رواية الطاهر بن جلّون "تلك العتمة الباهرة" الصادرة عن دار الساقي 2002 ، في مقدّمة
الروايات التي عالجت حالة عقابية لمجموعة من الضباط وصف الضباط المتمردين على النظام الملكي
المغربي في مطلع السبعينيات، فتعمل على تبيان عقلية السلطة الانتقامية التي تذهب بعيداً في
إجراءاتها العقابية اللاإنسانية لأولئك الذين اختلفوا معها، فترمي بهم في غياهب سجن "تازما مارات"
الذي اشتهر عالمياً بأنه معتقل جهنمي، عملت منظّمات حقوق الإنسان على كشفه وتبصير العالم المتمدّن
بمدى فداحة الجرائم التي تُرتكب فيه، فهو سجن لم يصمم لمعاقبة الإنسان وفق ما تمليه الشرائع
والقوانين والدساتير، وإنما لتدمير الروح وإفناء الجسد من خلال تصميمه الخاص كقبر كبير، ليعيش
السجناء في ظلمة أبدية، ينضاف إليها شحّ الماء وقلة النظافة وافتقاد الرعاية الطبية، فيصبح الموت
رحمة لمن يموت، بينما يستمر الآخرون في معاناتهم التي دامت نحو ثمانية عشر عاماً، قاومت
خلالها أجسادهم وأرواحهم عنف السلطة الغازية لها.
