الشاعرة مياسة دع
إعادة الأنوثة إلى قلب الحياة
*عزت عمر
تقدم مياسة دع تجربتها في "الصامت لديّ والظهيرة العمياء" بتمثّل الأنوثة ككينونة مطلقة دأبها العودة إلى الشرط الإنساني. ومن هنا فإن الزمان لديها زمان سرمدي يبدأ من الأنوثة وينتهي بها، وإذا كان الخطاب لا يشي بذلك عامداً إلاّ أن مساحات المحو ستحيلنا دائماً إلى ذاك الدفء المفتقد، أو إلى الفردوس المفقود الذي أضاعه أعمامنا ذات يوم في زحمة تنافسهم على الصعود إلى الهاوية.. ومياسة تدرك ما معنى أن يبحث أحدنا عن الدفء والحميمية: دفء الأسرة، جسد الحبيب. وهي إلى ذلك لم تكن مستعدة للخروج من ميثتها الشتوية، فالركون والتأمل بينما الحطب يشتعل في الموقد، قد يكون أدعى لحالة رومانسية، ولكن انتظار الشاعرة لشموس الربيع كي تبدأ لحظة الحياة، هو الجوهر الذي ينبغي الوصول إليه أوّلاً، وذلك ما اعتبرناه بداية لفتح حوار مع الكلام المرسل إلينا، كي بالنهاية نقف إلى تأويل يمكّننا من الاستمتاع بالشعر.
أهز الحياة للشاعرة لينا الطيبي
صور ورموز وتفاصيل إضافية عن اليومي والفراديس التي في الأعالي
*عزت عمر
تؤكّد الشاعرة لينا الطيبي في مجموعتها الجديدة "أهزّ الحياة" أنها تمتلك ذاكرة مستفيضة تضوع بياسمين الشام وشفافية بردى وطعوم فاكهة الغوطة، فيأسرك كلّ ذلك، وأنت الذاهب في زمن الحداثة وكرنفالاتها الصاخبة، الغارق في لجّة الاستهلاك الفتّاكة، والمطالب على الدوام أن تلهث وراء أحلام زيّنتها لك أساليب الدعاية والإعلان المعاصرة، فتتساءل مراراً وأنت تقرأ هذه الأشعار الموغلة في شاعريتها، عن جدوى كلّ هذا الجنون الذي عصف بنا باسم الحداثة وسلعها البلاستيكية التي وضّبتنا في ما يشبه الزنازين الصغيرة، ليعيش كلّ منا غربته منفرداً حتى الإدمان! وإذا ما أتيح له قليل من الأوكسجين لتجديد هواء الزنزانة، فإن الحنين إلى تلك الأيام سيعصف به، سيهزّه من أعماقه، فما يني يفكّر في الفردوس الذي أضاعه، والخطيئة التي ارتكبها بحقّ نفسه وبحقّ أحبائه، وبحقّ ثقافته التي أمست تنزوي في حيّز ما خجلاً من الظهور للعلن!
توجّهات القصيدة الجديدة في الإمارات
المؤثّرات الرومانسية والرمزية في شقّيها: الدلالي والبصري
بحث ألقي في الملتقى الشعري الأول في الشارقة
*عزت عمر
1 ـ توصيفات عامة
عاشت المجتمعات العربية حياة سياسية وثقافية صاخبة منذ مطالع القرن العشرين؛ مع البدايات الفعليّة لانهيار السلطنة العثمانية وانكفائها على نفسها، ومع انطلاقة الوعي القومي التحرري، في أوساط المثقفين العرب، الداعي إلى الاستقلال وبناء الأوطان على غرار الأمم المتقدمة. وكان لابدّ لهذا الحراك الجديد أن يصاب بحمّى الحداثة الغربية على اعتبار أنها النموذج المتقدّم الذي ينبغي أن يحتذى. وعلى الرغم من اختلاف التوجّهات بين التراثيين والمجدّدين بمختلف انتماءاتهم وأطيافهم، إلاّ أن أفكار فلاسفة التنوير كانت حاضرة فيهم بقوّة، وخصوصاً تبنيهم لقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الديموقراطية، ونبذهم لحياة الجهل والتخلّف والاستبداد. وعلى الرغم من أن هذه القيم الجديدة لم تلق تربة صالحة داخل الأوساط المجتمعية لتنمو وتزدهر طبيعياً، إلاّ أن كونها كانت متبناة من قبل نخب متنوعة ومختلفة المشارب والأهواء، بدأ المتابع يلحظ تأثيراتها في المضامين العامة للشعر والنثر على السواء، حيث طوّر الشعراء أغراض الشعر وتناولوا موضوعات جديدة ما كانت معروفة في أدبنا القديم وكذلك في الذائقة العامة. ومن هذه الموضوعات، التغنّي بالحرية والعروبة والأمجاد القومية، والتطرٌّق إلى جوانب اجتماعية وتاريخية يمكن إسقاطها على الواقع السياسي المعاصر. ومع هذه التوجّهات، بدأت التجربة الشعرية الحديثة تؤكّد مسيرتها نحو الاستفادة من معطيات الحداثة أملاً في إيقاظ المارد النائم منذ ما يزيد عن ستمئة عام.
أمين الريحاني
ودلالة العلاقة بالآخر
*د . عبد الرزاق عيد
لقد شغلت موضوعة ( الأنا / الآخر ) الفكر العربي في العقود الأربعة الأخيرة ، مع انبعاث ( النزعة التراثية المحدثة ) على يد محمد عابد الجابري وحسن حنفي .. الخ سنكتفي بذكرالاثنين للإشارة للرمزية المغربية والمشرقية ، هذا الانبعاث كان يناظر ويحايث حالة ماسمي بـ " الصحوة الإسلامية " التي بدأ سلطانها بعد هزيمة 1967 ، وعظم نفوذها وشأنها في الثمانينات ، و" اشتدت وطأتها ووجبت طاعتها " بافتتاح القرن الواحد والعشرين ، وكلا النزعتين كانتا ردة انتقامية ثأرية تجاه بعض ما شاب العقل العربي من ( نزعة تاريخانية ) وبعض ما لحقه من حداثة عقلانية علمانية على نخبة التيارين الحداثيين القومي والماركسي مثال: ( العروي والحافظ ) إشارة للرمزية المغربية والمشرقية أيضا ، مع بعض الفلول الليبرالية المتبقية بعد هذه الهزيمة ، حيث سيتم الفتك النهائي بالترسيمة الليبرالية التي أدرجها الاثنان في منظومتهما كضرورة ( تاريخية تمهيدية نهضوية تنويرية ) للانتقال للدولة الوطنية القومية الحديثة أو الدولة الإشتراكية الديموقراطية ، فالقومية والإشتراكية كمشروعين حداثيين لا بد لهما من مرحلة انتقالية ليبرالية حسب العروي -الحافظ ، تتحقق هذه المرحلة على الأقل نظريا ما دامت الليبرالية العربية السياسية وئدت فلاحيا عسكريا شعبويا رعاعيا مع نهاية الخمسينات ، دون أن تتمكن من إنجاز قطيعة مع العقل القروسطي .
*خلف علي الخلف
(إلى عزت عمر)
تلك هي الاماكن تبعثرك في كل الجهات ، ليس لك وجهة وليس لك نجمة في سمائك تهديك الى حيث الدروب توصلك برا غادرته ، غير انك لم تصل الى البحر
وكانت هناك صحراء وراءها صحراء ، وانت تحمل خطاك موهما السراب انك
تسير اليه لا السراب يغادر العين ولا الخطى تعرف طريقا اخر
الوجوه التي غادرتها ، الوجوه التي غادرتك ، اليابسة التي اكلت الطفولة ، البحار التي ستضيع ما بقي من العمر ، لم تصافحك ولم تذرف دمعا لغيابك
وها انت تنشر ايامك على اغصان عارية لشجر الوحدة ، تحفن دمعك حين تتذكر الخلان لتشربه علّ الروح تبتل برائحتهم
وها انت تهجر المدن او هي التي تهجرك وتعبر من شوق الى شوق ، من لهفة الى لهفة
غير ان بكاءً خافتا لايامك العارية تظل تسمعه وصورة اطفالك تظل تسمعها وتندم
حين تذكر انك تسللت في الليل كي لا تودعهم وكي لا ترى دمعهم
وها انت تتذكر المكان وتتذكر ان " رائحة البن جغرافيا " كما يقول درويش في سرحان الذي يشرب القهوة في الكافتريا فيختلط " الوطن " من هنا من البعيد بمرآة الشعر لذلك لايمكن لك ان تدرك كيف تكون رائحة البن جغرافيا الا وانت خارجه
*عزت عمر
1 تقديم
قبل الدخول في تفاصيل ورقتنا هذه عن الضوابط النفسية والفنية في أدب الطفل، لا بدّ من التنويه أوّلاً إلى أن أدب الطفل من حيث التعريف لا يختلف عن أدب الراشدين من ناحية البناء النصّي قصة أو مسرحاً أو شعراً، كما أنه لا يختلف عنه من حيث الأهداف العامة من كونه يقدّم التسلية أو المتعة الجمالية إلى جانب كثير من القضايا والقيم التي يتبناها الكتّاب كقضية حرية الإنسان وعلاقة هذا الإنسان بأخيه الإنسان والمشكلات التي أفرزها وجوده مع الطبيعة سواء من حيث الصراع معها، أو المحافظة عليها والسعي لإحيائها. ومن هنا، فإنه لا بدّ إذن من التأكيد على أن كثيراً من المفاهيم الخطأ قد رافقت مسيرة أدب الطفل منذ لحظة نشوئه المتأخرة في المشهد الثقافي العربي، حيث استسهل كثيرون الكتابة للطفل، فراحوا يحشون ذهنه بالعجائب والغرائب، أو بالقصص المؤدلجة المتكئة على شعارات متداولة في الحياة السياسية والفكرية، أو بقصص الخوارق والأعاجيب، هذا بالإضافة إلى كلّ ما يمكن تقديمه للطفل من معارف ومعلومات لا يمكن اعتبارها أدباً على الأقل لأنها بالرغم من نبالة مقاصدها التربوية لا ترقى لأن تسمى كذلك، كما أن هذه الكتب الساذجة ستكون موجودة على الدوام وبوفرة في المعارض، لأنه ليس لأحد القدرة على منعها أو ضبطها نظراً للكم الكبير في إنتاجها والاتجار بها سواء على صعيد فردي أو على صعيد دور النشر اللاهثة وراء الربح السريع دون الأخذ بعين الاعتبار ما تقدمه من سلعة رديئة تغطّي على المحاولات الدؤوبة لكتاب أدب الطفل في تكريسه كأدب رفيع ينطوي على قدرة حقيقية في إثارة خيال الطفل، وتحفيز آليات التفكير لديه وتمكينه من تنمية قدراته اللغوية والقدرة على التمييز بين الجميل والقبيح بالمعنى الإبداعي لممكنات النصّ الأدبي البالغ التعقيد في تنظيمه وفي توافر معطياته الدلالية النابعة من كيميائية اللحظة الإبداعية ذاتها وليس غير.
*عزت عمر
آ ـ صندوق الساحرة.
تلك هي مدينتك وأشواقك، تستعد لاستقبالك بمعطفها المخملي المعتاد، وكأنّ الصيف مات على عتباتها، أو كأنّ الريح المحمّلة بالندى صدّته لتؤجّل أوان العنب. وكان الوقت مساءً، وأنا في غمرة سعادتي منشغل بما أراه من لوحات إعلانية براقة، تعد بمستقبل زاه وبرّاق كالحزم الضوئية التي تصدر عن أضواء النيون الموزّعة على الطرقات وبين الأشجار وفوق البنايات، يا الله كم هي جميلة هذه الحلب، قلت. هذه حجارتها البيضاء علامتها المعمارية المميزة منذ مئات السنين، وشوارعها الفائضة بالخضرة: الأشجار تحشد خضارها في كلّ مكان حتى إنها لتمدّ أغصانها نحو الضفّة الأخرى من الشارع كي تعانق شقيقاتها، وهي على الدوام تذكّرني ببيت المتنبي الشهير:
فسرتُ وقد حجبنَ الضوءَ عنّي وجئنَ من الضياءِ بما كفاني
وأنا لا أعرف لِمَ يحضرني هذا البيت بالذات، كلما قصدت بيتي ماشياً؟ أهو المتنبي الذي عاش في حلب وتنقّل في حواريها، أم أنّ الخضرة الغائبة عني ترميني بأقواس قزحها، كي تنفتح الذكريات صندوقاً داخل صندوق، تماماً كصناديق ذلك الساحر الذي جاء مدرستنا بينما كنا صبية صغاراً، ثمّ راح يفتح صناديقه، ونحن مندهشون لهذا الكم من الصناديق، وهاهو من الصندوق الأخير يخرج خاتم الزواج الخاص بأستاذنا، فصفقنا له بجنون، ثمّ قدمنا له باقات الزهر التي اقتطفناها من حدائق بيوتنا: ورد جوري وياسمين في الغالب، فما كان من الساحر المغتبط بكلّ هذا التصفيق والزهر، وقد انتابه الحماس، إلاّ أن يسحب شاشة مخملية من القطيفة الحمراء خلفه، فبرز أمامنا صندوق ضخم.. ضخم..
قال: هيا يا أولاد ساعدوني في فتح هذا الصندوق.
وهكذا تدافعنا بكلّ صخب العصافير نحوه نريد أن نرى ما بداخله، وإليكم ما رأينا:
متفاعلات نصّية وبنى حكائية تتشابك لإنتاج اللحظة الشعرية
*عزت عمر
تقديم
أعادني "الديوان العراقي" للشاعر إبراهيم المصري إلى مقال كتبته عن "زمن الطاغية.. زمن الخراب العام" بُعيد اجتياحه بجيوشه الجرارة (آنذاك) للكويت ومن ثمّ انهزامه شرّ هزيمة أمام قوى التحالف بزعامة أمريكا. وعودتي هذه لم تكن للتشفّي أو لتبيان حقيقة بدهية، وإنما لأعاين زمناً مهدوراً من حياة الشعب العراقي دام قرابة أربعة عشر عاماً منتظراً الخلاص من وضع انحشر فيه ولم يجد منه مخرجاً، حيث من جهة، تفاقم استبداد الطاغية الذي لم يألُ لحظة واحدة من المواظبة على تقديم دماء شعبه كأضحية لآلهة شرّ منهومة تحالف معها على ألاّ يغادرا العراق إلاّ بعد تحويله إلى مقبرة هائلة يجثم عند بوّابتها الرهيبة كائن خرافيّ أدمن شرب الدماء، وليس ثمة أحد بمقدوره النفاذ من قدره المحتوم، نظراً لأن هذا الكائن الخرافي لم يكن يطرح أسئلة ساذجة كذاك الذي وقف على أبواب طيبة. ومن جهة ثانية واظب منتجو الشعارات الزائفة على تقديمه ك "غودو" معاصر ينقذ الأمة مما يخطط لها من مؤامرات وغير. ولكنه/هم مع الأسف، لم يقدّم/موا للشعب من خيارات سوى إمكانية قبول الموت: إما بالقتل المتعمّد، أو بالزج في ساحات الحرب التي أشعلها على الحدودات المجاورة. وبذلك فإن الرغبات الشخصية، أو الرغبات الجمعية في الانعتاق من سلطان هذه الضرورة المطلقة، كان عليها أن تنتظر طويلاً كي يعود أصحابها إلى الحياة. وما بين تلك اللحظة والانهيار ثمة مسافة من الزمن أكّدت على الدوام أن الزمان في بلادنا لا يشبه أزمنة الأمم الأخرى في السير باستقامة نحو ما ينبغي أن يسير عليه، و"إنما هو أشبه بإعادة تمثيلية بوميثيوسية لرحلة العذاب الإنساني التي بدأت في لحظة موغلة من تاريخ المنطقة، ما انفكّت تعيد نفسها بأشكال جديدة تلبية لرغبة "الآلهة المنهومة" في أن يبقى الإنسان راكعاً أو زاحفاً فقط، وأن يبقى العنف والقمع سيرورة تخصّنا بامتياز" ، ما لم تسعفنا قوّة أعتى لفكّ هذا التشابك العنيف والعودة إلى نهر الحياة من جديد.
ظاهرة العنف ومدلولاتها في الخطاب الروائي والقصصي (1)
*عزت عمر
تقديم
يبدو لي أن ظاهرة العنف كانت بمثابة بنية أساسية فاعلة في تاريخ البشرية، وأن الباحث في هذا المبحث لا بدّ له من العودة إلى (الميثولوجيا) أو ما نسميه بالجذور السردية الأولى التي انبنت عليها ملحمة الخلق الإنساني حتى يومنا هذا، وهي مسافة زمنية ليست بالطويلة نسبياً فيما إذا قورنت بعمر الإنسان على الأرض، ولكنها في الوقت نفسه تعطينا انطباعاً أكيداً، أن لحظة العنف واظبت على حضورها في الذاكرة الجمعية، وهي كأي كائن خرافيّ أدمن الدماء ما انفكت تعيد إنتاج نفسها بأشكال شتى، إلاّ أن المبدأ الذي انطلقت كان واحداً على الدوام، ونعني به مبدأ القوّة لأجل الحفاظ على السلطة، وما يستتبعه ذلك من عنف في سبيل الحفاظ عليها أو هدمها. ومن هنا فإننا سنجد أبناء تيامى في ملحمة الخلق البابلية سيتحالفون فيما بينهم لأجل الخلاص من سلطة "آبسو" الأب الكلّي، وبالتالي فإنهم سوف يتمكنون منه ويقتلونه، ولكن "تيامى" الأم الكلّية ستسعى للانتقام من أبنائها وقتلة زوجها، ولكنها بدورها ستلقى حتفها، وعلى عتبات النظام الجديد بقيادة "مردوخ"، تمّت إسالة الدماء للمرة الأولى. ومنذ تلك اللحظة سوف ترافق ثنائية القوة والدمّ مسيرة البشرية من محطّة زمنية لأخرى، دون أن تفكّر هذه البشرية أنها ما زالت تعيد إنتاج سيرورة القتل الأولى بدعوى إعادة ترتيب البيت.
"الغياب.. يقتضي حضوراً وإلا فقد معناه"
*عزت عمر
"أن يكون المرء، هو أن يُرى."
هكذا بورخيس يفلسف الغياب بعدم الرؤية، بغياب الاسم وصاحبه عن باصرتنا، فلا يبقى منهما سوى الذكرى، لحضور قد يمحو معالمه الزمن شيئاً فشيئاً، ولكنه إلى ذلك مجرد غياب مؤقّت لطالما ظلّ مصنّفاً في الحيّز ذاته، ولطالما لم ينتقل إلى حيز الفقد، لأنه شتان ما بين المعنيين من حيث الدلالة، ولكننا ما دمنا بصدد الحديث عن الغياب، فإننا سنهمل مسألة الفقد مؤقتاً، كما سنهمل نقيضه "الحضور"، وسنلحّ على مفردة جديدة نسمّيها "الصمت"، وما بين الصامت والغائب كذلك مسافة، حيث إن الصامت حاضر، ولكنه غائب برغبته، بمعنى إنه يمارس حريته في الغياب أو بعدمه. إنه غائب مؤقّت قد يطرق الباب في كلّ لحظة مرتقبة ويدخل المنزل أو الحيّز الذي غاب عنه، أو سكت عن مخاطبته، شانه في ذلك شأن تلميذ المدرسة الذي غاب يوماً أو يومين، ولكنه إلى ذلك ظلّ حاضراً عبر أصدقائه، يسألهم عما جرى هناك في كلّ لحظة أمضاها غائباً. وبذلك فإنه غائب حاضر ومتابع، وكأن هذا الغياب دفع به قسراً لحضور إضافيّ يلتمسه من خلال عيون التلاميذ والأصدقاء وكلامهم، أما في حالة الكتابة فيلتمسه الكاتب من خلال ما يكتبه زملاء الأمس، فيتابعهم متابعة الحاضر ولكن بصمت. وهو حال الكثيرين ممن غاب من الكتاب عن ممارسة فعل الكتابة، ولكن حضورهم متوقع بين حين وآخر، وبذلك فإن هذا الغياب سيكون حالة مؤقتة، ولكنه إلى ذلك سيفتح المجال للتساؤل عن أسباب الغياب، وعن مدى إمكانية الغائب في العودة إلى رشاقته المعهودة بعدما سالت انهار الزمن وباتت المسافة شاسعة بين ما كان يكتبه في الأمس، وبين ما يكتبه أقرانه اليوم..
يقول المعجم في مادة: "غاب": غاب غيباً، كلّ ما غاب عنك، والجمع منه غُيَّب وغُيَّاب، والمغايبة خلاف المخاطبة. وقال امرؤ القيس:
فظلّ لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ فقِلْ في مقيل نحسُّهُ متغيِّبُ
