الأصول الشركسية في اللغة السومرية

التاريخ 9/03/2007 9:18:23 | القسم : مقالات

الأصول الشركسية في اللغة السومرية
للباحث مُنذر بُج

*عزت عمر

في خطوة مثيرة للجدل العلمي، أنجز الباحث السوري الشركسي الأصل "منذر بُج"
كتابه الموسوم بـ "الأصول الشركسية في اللغة السومرية"، وقد سعى فيه إلى توضيح العلاقة
اللغوية بين السومرية كأقدم لغة حضارية في بلاد ما بين النهرين، واللغة الشركسية لبلاد جبال
القفقاس التي تضم قوميات عدّة نذكر منها: الشركس، القباردي، الشيشان، الأنجوش، الأسيتين.
وقد أمضى الباحث أكثر من عشر سنوات منقباً بين المراجع والمصادر والوثائق والمتاحف،
بالإضافة إلى مراسلات عديدة مع المستشرقين المعنيين بأمر اللغة السومرية، ليتمكن من إثبات
هذه العلاقة بين اللغتين، والمطلع على النظام اللغوي للغة الشركسية، أو الناطق بها سيدرك مقدار
القرابة اللغوية بينها وبين السومرية من خلال استعراض الباحث لمفرداتها أو نصوصها التي أوردها
في متن الكتاب، الأمر الذي يفضي إلى سؤال جوهري: وهو إذا سلّمنا بالقرابة اللغوية
لكلا الشعبين، هل ينتمي السومريون إلى الشركس، أم أن الشركس كانوا ينتمون إليهم،
ومن ثمّ صعدوا إلى الجبال؟

والسؤال بحد ذاته يطرح إشكالية جديدة لم يتمكن علماء السومريات من حلّها،
سيما أن السومريين الذين استوطنوا "ميسوبوتاميا" (القسم الجنوبي من العراق والمتضمن
في يومنا هذا إقاليم الديوانية، العمارة والبصرة) حوالي 3500 ق.م، لايعرف أحد أصولهم الحقيقية،
فثمة من يقول أنهم ربما جاؤوا من الشرق، أو الشمال الشرقي، ولكن حتى الآن لم يثبت مكان قدومهم،
أو أصولهم، إلاّ انهم استوطنوا هذه المنطقة، وتميزوا بفرادة لغتهم موضوع كتابنا.
والمثير في بحث الأستاذ منذر بج، أنه انتقد علماء السومريات من مستشرقين وعرب، لأنهم فسّرو
ا اللغة السومرية عن طريق اللغة الأكادية أو البابلية ومن ثم كتبت بالحروف اللاتينية التي "لايمكن
لحروفها أن تغطي الدائرة الواسعة للحروف السومرية، فاستعان هؤلاء بترقيم الحروف للتمييز بين
المعاني المختلفة للحرف الواحد". ونذكر هنا على سبيل المثال بعض مصاعب
الترجمة في لفظ الكلمة/ DU/
، وكيف أعطوها أرقاماً كي يتمكنوا من التمييز
بين معانيها المختلفة، فقالوا:
DU6 & DU7&DU10&DU11&DY‎U14&DU8
، وإنهم لوعادوا إلى الشركسية لعلموا أن:
DU6 على سبيل المثال تقرأ (طا)
بمعنى كهف أوشقّ . وأن DU7 بمعنى مناسب وملائم..وهكذا.
وفي الحقيقة إن الخطأ في ترجمة اللغة يوقع في مصائب كبيرة، سيما أنه تمّ إثباتها في المعاجم
والقواميس، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير مفاهيم تاريخية خطيرة، وهو عين ما كان الباحث يحذّر منه،
وخصوصاً أن المستشرقين المختصين بالسومريات، هم الذين يمثلون المرجعية العلمية والمعرفية،
بل ولهم المصداقية أيضاً، مما سيخلق مصاعب حقيقية في إقناعهم، أو الطلب منهم الرجوع عن أخطائهم،
وإعادة قراءة هذه اللغة ضمن المعطيات الجديدة، التي أدرجها الباحث من خلال مقارناته
اللغوية المدهشة.
شخصياً أدرك أن هذا البحث سيخلق ضجيجاً وجدلاً ساخناً في أوساط المشتغلين والمهتمين بالسومريات،
ولا أغالي في هذا الصدد لو قلت أن النتائج التي توصّل إليها الباحث كانت حاسمة من حيث التقارب بين أنظمة العلامات، واشتراكها في المعنى، وقد أشار الباحث إلى ذلك قائلاً: "للكتابة المسمارية السومرية
ثلاثة أنواع من العلامات: أولها تلك العلامات التي تمثّل كل واحدة منها كلمة، وثانيها العلامات الدالة،
وأخيراً المقاطع الصوتية، وهي عينها في الشركسية. وعلى سبيل المثال يعطينا الباحث صورة الفم
كعلامة رمزية، ثم يوضح لنا معانيها المختلفة من خلال الحركات أو الأصوات كما في العربية
فيقول: صورة الفم تعني: ( فم ) وتلفظ ( كا )، ثم تعني:( سن ) وتلفظ (زه)
،ثم تعني (الكلمة) وتلفظ ( GU )، وتعني أيضاً الفعل يتكلم.."
والعلامة الدالة: هي التي توضع قبل الكلمات لتحديد المراد من العلامة المسمارية،
فمثلاً كلمة الخشب
( gis ) تستخدم كعلامة دالة على الشجر والخشب والمواد المصنوعة من الخشب، فإذا ما وضعت
أمام صورة المحراث تعني: محراث، فلاح، والفعل يحرث، ويصبح واضحاً هنا أن المقصود في
هذه الحالة المحراث، وليس كلمتي يحرث، أو فلاّح.
أما في خصوص نطق اللغة السومرية والبناء اللفظي لها، فيرى الباحث أن اللغة السومرية وبسبب
كونها مقطعية لا هجائية، "فإن معرفة التركيب الصوتي ليس كاملاً، لأن أصوات المقاطع (العلامات)
السومرية دوّنت بعد زوال نفوذهم، ولا تخلو من التأثيرات الأكادية، التي يمكن تفسيرها بمساعدة
اللغات السامية. ولكن بما أن اللغة السومرية نسيج وحدها، ولا يعرف في الوقت الحاضر إلى أية
عائلة لغوية تنتسب، فقد بقيت صعوبة معرفة التركيب الصوتي للعلامة/المقطع السومري قائمة
ولم تذلل نهائياً."
وعلى هذا الأساس فإن الباحث سعى إلى إجراء مقارنة بينها وبين اللغة الشركسية/الأديغية، سيما وأنهما
متشابهتان من خلال مايأتي:
1 ـ وحدة البناء الهيكلي الأبجدي.
2 ـ تشابه أصوات الكلمة المبدئي.
3 ـ اتحاد معنى الكلمة.
سيما وأن اللغة الشركسية هي لغة لصقية، وكلتا اللغتين تنتميان إلى نوع من
اللغات المدعوّة
Logoram أي اللغة التي يؤدي فيها الحرف معنى الكلمة، ويورد الباحث على سبيل المثال
حرف اللام (L )
الذي يأتي في الشركسية بمعنى: رَجُل، و دم، ولحم مع فارق في الحركات، والحرف نفسه
يأتي
في السومرية بمعنى: رَجُل و دم.
وإلى ذلك سينتقي الباحث قرابة مئة كلمة يتّحد فيها اللفظ والمعنى في كلتا اللغتين، بما لا يترك أثراً للشك
في أن الشعبين كانا يتحدثان لغة واحدة، وسنقتطف بعض الأمثلة التي أوردها الباحث آملين ألاّ يثقل
ذلك على القارئ غير المختص:
1 ـ الكلمة السومرية المترجمة بالحقل المروي ( آ جِـ رْ ) بالجيم المفخمة، فإنها باللغة الشركسية تتألف
من ثلاثة مقاطع ( آ ) وهو اسم الإشارة، و( جِ ) أرض، و( ر ) للتعريف عندما يأتي في
آخر الأسماء، وبالتالي يصبح المعنى تلك الأرض وليس ( الحقل المروي )؟
2 ـ ان كي ـ ين كي : وتعني سيد الأرض (إله سومري).
وفي الشركسية (ين) تعني الكبير في حجمه، أو منزلته، و(كي) تعني الأرض.
وبعد أن يفتح الباحث مسارد طويلة للمقارنة بين المفردات، يتطرق إلى النصوص الكاملة،
فيورد مقطعاً مطولاً من ملحمة الخلق السومرية، ليبيّن الالتباس الحاصل عند المترجمين
من أمثال صموئيل كريمر وغيره، وإليكم النص:
"بعد أن انفصلت السماء عن الأرض
وبعد أن انفصلت الأرض عن السماء
وبعد أن ثبّت اسم الإنسان
وبعد أن انحمل الإله آن إلى السماء
وبعد أن توّجَهُ انليل كربّ للهواء
وغنمت أرشكيجال بالـ (كور)
وبعد أن انطلق بالإبحار
وبعد أن أبحر الأب بالإبحار لأجل (كور)
وبعد أن أبحر انكي لأجل (كور)
اندفعت الأشياء الصغيرة من(كور) ضد الملك
واندفعت الأشياء الكبيرة ضد انكي
والأشياء الصغيرة حجارة الأرض
والأشياء الكبيرة حجارة… قصب
سفينة انكي المسطحة القعر
تشبه في الحرب عاصفة مدمّرة وسائدة
ضد الملك، والماء في رأس السفينة شبيه برأس ذئب
ضد انكي، المياه في مؤخرة القارب شبيه بأسد ضارب".
ويرى الباحث أن كلمة (كور) ترجمت بالعالم السفلي_ الكون الفارغ، بينما هو في حقيقة الأمر
المياه البدئية التي هاجمت سفينة أنكي، وواضح من النصّ أنه كان يبحر في البحر، وليس في العالم
السفلي، وفي هذا الصدد يقول الباحث: "نفهم من هذه القصّة بأنها أخذت مجرياتها في الصيف
بسبب المياه العنيفة المندفعة من ال"كور" التي هي حتماً البحر، ولوضع حدّ لهذه الكارثة المندفعة
مقابل الأرض، السدود منعت المياه المندفعة من البحر من الوصول إلى الأرض، ولم
تصعد هذه المياه
إلى السطح مرة ثانية." والشاهد على ماتقدّم المقطع التالي:
"ما الذي قد تناثر من أجل كور؟
ما الذي قد تبدّد عن طريق كور؟
المياه العالية انسكبت فوق الأرض المزروعة."
ومن هنا يستنتج الباحث بأن "التنين" هو مدلول مجازي للبحر العاصف العنيف"كور"، الذي توقف
لحظة اندفاع الأشياء الصغيرة والكبيرة كالحجارة والقصب. وهو أمر جدير بالناقشة سيما أن الميثولوجيا الرافدية أنسنت الأشياء وألّهتها تعبيراً عن لحظة اصطدام الإنسان بالطبيعة، فتعامل معها على هذا الأساس.
أما التنين الآخر، فهو"آساج" شيطان المرض والسقم الذي تبع إنانا عندما صعدت، ويستحضرني في
هذا المقام نصاً أورده فراس السواح في كتابه "الأسطورة والمعنى"، حيث تعمد "ننخرساج"
(الأرض)، إلى معالجة "انكي" (الماء)، بعد أن تعيده إلى باطنها، وتستولد له آلهة لمعالجته من أمراضه.
وفي ختام بحثه يرى الباحث أن جملة الأخطاء والالتباس في الترجمة، يكمن في حساسية اللفظة ذاتها،
والتي لايمكن فهمها إلاّ من خلال السياق، ويسوق على سبيل المقارنة لفظتي(رِجْل ـ رَجُل) العربيتين،
حيث الشكل والرسم واحد، والمعنى مختلف، وهذا المعنى نعرفه من السياق إن غاب الشكل(التصويت)،
وبالتالي فإن معرفة المعنى هي التي تعطي القيمة الصوتية، ولذلك فإنه يطرح تساؤله عن إمكانية أو
قدرة اللغة الأكادية على استيعاب القيمة الصوتية للغة السومرية، وحروف الأكادية قاصرة عن
إعطاء هذه القيم الصوتية، مما اضطر العلماء إلى ترقيم الحرف الواحد بدون معرفة صوته
واستناداً إلى تغير معناه؟
*كتاب يعتمد منهجية جديدة في الدراسات اللغوية المقارنة، ويطرح فهماً جديداً ومغايراً لكثير مما اعتبرناه
من المسلَّمات، ننصح بقراءته ومحاورته
*بيان الكتب


Izzat Omar
izzatomar@yahoo.com




هذه المقالة من موقع موقع عزت عمر
http://www.izzatomar.com

عنوان هذه المقالة هو :
http://www.izzatomar.com/article.php?storyid=199